بّسم الله الرّحمن الرّحيم
شرح إبن دقيق العيد للأربعين النووية
المجموعة الثانية

حديث : ترك ما لا يعني المسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) حديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا.
الشرح
وقد رواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وصحح طرقه ثم قال في هذا الحديث هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة ونحو ذلك قول أبي ذر في بعض حديثه : ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وذكر مالك أنه بلغه أنه قيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل فقال: صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني.
وروى عن الحسن قال: من علامة أعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.
وقال أبو داود أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث وذكر منها هذا الحديث.

حديث : كمال الإيمان
عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه- خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه البخاري ومسلم.
الشرح
هكذا جاء في صحيح البخاري لأخيه من غير شك وجاء في صحيح مسلم حتى يحب لأخيه أو لجاره على الشك.
قال العلماء: يعني لا يؤمن من الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لك يكن بهذه الصفة.
والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي: ( حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ) . قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح، وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك، إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين.
وقال أبو الزناد ظاهر هذا الحديث التساوي وحقيقته التفضيل لأن الإنسان يجب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ألا ترى أن الإنسان يجب أن ينتصف من حقه ومظلمته فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة.
ويحكى أن الفضل بن عياض، قال لسفيان بن عيينة إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك فما أديت الله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك.
وقال بعض العلماء في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة فينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث إنهما نفس واحدة كما جاء في الحديث الآخر ( المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ).

حديث : حرمة دم المسلم وأسباب إهداره
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) رواه البخاري ومسلم.
الشرح
وفي بعض الروايات المتفق عليها ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث ) فقوله: ( يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ) كالتفسير لقوله ( مسلم ) وكذا قوله: ( المفارق للجماعة ) كالتفسير لقوله: ( التارك لدينه ) وهؤلاء الثلاثة مباحوا الدم بالنص والمراد بالجماعة ( المسلمون ) وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهي سبب لإباحة دمه.
وقوله ( التارك لدينه المفارق للجماعة ) عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام.
قال العلماء ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما والله أعلم.
والظاهر أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه، فيباح قتله في دفع أذاه، وقد يجاب عن هذا: بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هؤلاء الثلاثة والله أعلم.
وقد استدل بعضهم على أن تارك الصلاة يقتل لتركها لأن تاركها يسمى من هذه الثلاثة وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء منهم من يكفر تارك الصلاة ومنهم من لا يكفره واستدل بعض من يكفره بالحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) قال فوجه الدليل أنه وقف العصمة على مجموع الشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل إلا بمجموعها وينتفي بانتفائها وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق وهو قوله: ( أمرت أن أقاتل الناس ... ) إلخ فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية فقد ذهل وسها لأنه فرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه فإن المقاتل مفاعلة يقتضي الحصول من الجانبين، ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة وجوب القتل عليها إذا تركها من غير أن يقاتلنا والله أعلم.
وقوله: ( الثيب الزاني ) هو المحصن ويدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني الرجم بشروطه المذكورة في أبواب الفقه.
وقوله: ( النفس بالنفس ) موافق لقوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) ويعني به النفوس المتكافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقتل مسلم بكافر ) وكذلك الحرية شرط من المكافأة عند مالك، والشافعي، وأحمد. وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي وأن الحر يقتل بالعبد وقد يستدلون بهذا الحديث، والجمهور على خلاف ذلك.

حديث : آداب إسلامية
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) رواه البخاري ومسلم.
الشرح
قوله: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) يعني من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله ( فليقل خيراً أو ليصمت ) لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه وأهم ما عليه من ذلك ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو المسؤول عنها كما قال تعالى: ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ) ، وقال تعالى: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وآفات اللسان كثيرة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) . وقال: ( كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى وأمر بمعروف ونهي عن منكر ) . فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو ليسكت.
قال بعض العلماء جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث ذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) . قال أهل اللغة: يقال صمت يصمت بضم الميم صمتاً وصموتاً وصماتاً.
وقال بعضهم في معنى هذا الحديث إذا أراد الإنسان أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيراً محققاً يثاب عليه فليتكلم وإلا فليمسك عن الكلام سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح فعلى هذا يكون الكلام المباح مأموراً بتركه مندوباً إلى الإمساك عنه مخافة أن ينجر إلى المحرم أو المكروه وقد يقع ذلك كثيراً قال الله تعالى: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ).
واختلف العلماء في أنه هل يكتب على الإنسان جميع ما يلفظ به وإن كان مباحاً أو لا يكتب عليه إلا ما فيه الجزاء من ثواب أو عقاب وإلى القول الثاني ذهب ابن عباس وغيره، فعلى هذا تكون الآية الكريمة مخصوصة، أي( ما يلفظ من قول ) يترتب عليه جزاء
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( فليكرم جاره- فليكرم ضيفه ) فيه تعريف لحق الجار والضيف وبرهما وحث على حفظ الجوارح وقد أوصى الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الجار، وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) والضيافة من الإسلام وخلق النبيين والصالحين. وقد أوجبها بعض العلماء وأكثرهم على أنها من مكارم الأخلاق. وقال صاحب الإفصاح في هذا الحديث من الفقه: أن يعتقد الإنسان إن إكرام الضيف عبادة لا ينقصها أن يضيف غنياً ولا بغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسير مما عنده، فإكرامه أن يسارع إلى البشاشة في وجهه، ويطيب الحديث له، وعماد أهل الضيافة إطعام الطعام فينبغي أن يبادر بما فتح الله من غير كلفة، وذكر كلاماً في الضيافة، ثم قال: وأما قوله: ( فليقل خيراً أو ليصمت ) فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت والصمت خير من قول الشر وذلك أنه أمره بلام الأمر بقول الخير وبدأ به على الصمت، ومن قول الخير الإبلاغ عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم المسلمين والأمر بالمعروف عن علم والنهي عن المنكر عن علم والإصلاح بين الناس وأن يقول للناس حسناً، ومن أفضل الكلمات كلمة حق عند من يخاف ويرجى في ثبات وسداد.

حديث : النهي عن الغضب
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصيني قال: ( لا تغضب ) فردد مراراً قال: ( لا تغضب ) رواه البخاري.
الشرح
قال صاحب الإفصاح من الجائز أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الذي يملك نفسه عند الغضب فقال: ( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الشدائد ) . ومدح الله تعالى: ( الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من كظم غيظه وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء ).
وقد جاء في الحديث: ( إن الغضب من الشيطان ) ولهذا يخرج به الإنسان من اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويرتكب المذموم وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك من القبائح المحرمة، كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه. وقد جاء في حديث سليمان بن صرُد ( أن الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب ) وذلك إن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل ما لا تحمد عاقبته، فإن الشيطان يغويه ويبعده عن رضى الله عز وجل فالإستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده.

حديث : الأمر بإحسان الذبح والقتل
عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) رواه مسلم.
الشرح
( القتلة ) بكسر القاف هي الهيئة والحالة، ( والذبحة ) بكسر الذال ويضم، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث ( فأحسنوا الذبح ) بغير هاء، وهو بالفتح مصدر والكسر الهيئة والحالة.
وقوله: ( وليحد أحدكم شفرته ) هو بضم الياء من حد يقال أحد السكين وحدها واستحدها.
قوله: ( فأحسنوا القتلة ) عام في القتل من الذبائح والقتل قصاصاً أو في حد ونحو ذلك.
وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة ومعنى إحسان القتل أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب. وإحسان الذبح في البهائم أن يرفق بالبهيمة، ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها إلى القبلة ويسمي ويجهد ويقطع الحلقوم والوجدين، ويتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا.

حديث : حسن الخلق
عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
الشرح
مناقب أبي ذر كثيرة أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أمره أن يلحق بقومه فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له صلى الله عليه وسلم : ( إتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها ) وهذا موافق لقوله تعالى: ( أن الحسنات يذهبن السيئات ) وقوله : ( وخالق الناس بخلق حسن ) معناه عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به واعلم ( أن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ) وحسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين لا يجزون بالسيئة، بل يعفون ويصفحون ويحسنون مع الإساءة إليهم.

حديث : احفظ الله يحفظك
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: ( كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي ( احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ).
الشرح
مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ( ودعا له بأن يؤتى الحكمة مرتين ) وثبت عنه: ( أنه رأى جبريل مرتين ) وهو بحر هذه الأمة وحبرها وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلاً للوصية مع صغره فقال له : ( احفظ الله يحفظك ) ومعناه كن مطيعاً لربك، مؤتمراً بأوامره، منتهياً عن نواهيه.
وقوله : ( احفظ الله تجده تجاهك ) أي اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فآووا إلى غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا انظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم، فذكر كل واحد منهم سابقة له مع ربه، فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح.
وقوله : ( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) أرشده إلى التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إلهاً سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قل منها وما كثر. وقال الله تعالى: ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) فبقدر ما يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أو بقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ) وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به وكذلك إجابة الخليل عليه الصلاة والسلام جبريل عليه السلام حين سأله وهو في الهواء ( ألك حاجة? قال: أما إليك فلا ).
وقوله : ( رفعت الأقلام وجفت الصحف ) هذا تأكيد أيضاً لما تقدم أي لا يكون خلاف لما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل.
قال : ( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) فنبهه على أن الإنسان في الدنيا ولا سيما الصالحون معرضون للمصائب لقوله عز وجل ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) وقال تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ).

حديث : الحياء من الإيمان
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) رواه البخاري.
الشرح
معنى قوله : ( من كلام النبوة الأولى ) إن الحياء لم يزل ممدوحاً مستحسناً مأموراً به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين.
وقوله : ( فاصنع ما شئت ) فيه وجهان أحدهما أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به الأمر كقوله : ( اعملوا ما شئتم ) فإنه وعيد لأنه قد بين لهم ما يأتون به وما يتركون. وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من باع الخمر فليشقص الخنازير ) ، لم يكن في هذا إباحة تشقيص الخنازير. والوجه الثاني أن معناه أئت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( الحياء من الإيمان ) معناه إنه لما كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك والله أعلم.

حديث : قل آمنت بالله ثم استقم
عن أبي عمرو- وقيل أبي عمرة- سفيان بن عبد الله رضي الله عنه، قال قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: ( قل آمنت بالله ثم استقم ) رواه مسلم.
الشرح
معنى قوله : ( قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ) أي علمني قولاً جامعاً لمعاني الإسلام واضحاً في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأتقي به فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله : ( قل آمنت ثم استقم ).
هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه بلسانه متذكراً بقلبه وأمره أن يستقيم على أعمال الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الإعوجاج فإنها ضده وهذا كقوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الآية أي آمنوا بالله وحده، ثم استقاموا على ذلك، وعلى الطاعة إلى أن توفاهم الله عليها. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب ) . ومعناه اعتدلوا على أكثر طاعة لله اعتقاداً وقولاً وفعلاً. وداموا على ذلك، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، وهي معنى الحديث إن شاء الله تعالى.
وكذلك قوله سبحانه : ( فاستقم كما أمرت ) قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( شيبتني هود وأخواتها ).
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى؛ الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيماً في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده . قال وقيل : الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات. ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استقيموا ولن تحصوا ) وقال الواسطي : الاستقامة الخصلة التي بها كمال المحاسن، وبفقدها قبحت المحاسن، والله أعلم.

حديث : الاقتصار على الفرائض يُدخل الجنة
عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة قال: نعم ) رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقداً حله.
الشرح
هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل بقافين مفتوحتين، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الظاهر إنه أراد بقوله: ( وحرمت الحرام ) أمرين أحدهما: أن يعتقد كونه حراماً، والثاني: أن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال، فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالا
قال صاحب المفهم لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للسائل في هذا الحديث شيئاً من التطوعات على الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يعمل شيئاً فقد فوت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه، وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً ورغبة عنها، كان ذلك فسقاً يستحق به ذماً. قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئو على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا، ولقد كان صدر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابها.
وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلاً وتيسيراً لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيراً له، وعلى أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره، أو لئلا يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك.
وكذلك في الحديث الآخر: ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فأخبره أنها خمس فقال: هل علي غيرها قال: لا إلا أن تطوع، ثم سأله عن الصوم والحج والشرائع فأجابه ثم قال في آخر ذلك: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال: أفلح إن صدق ) . وفي رواية: ( إن تمسك بما أمر به دخل الجنة ).
وإنما شرعت لتتميم الفرائض. فهذا السائل والذي قبله، إنما تركهما النبي صلى الله عليه وسلم تسهيلاً عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما.
وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها فلاحاً كثير الفلاح والنجاح- وياليتنا وقفنا- كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها بالنوافل كان أكثر فلاحاً منه.

حديث : الإسراع في الخير
عن أبي مالك- الحارث بن عاصم- الأشعري رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن- أو تملأ- ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) رواه مسلم.
الشرح
هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والدين.
أما الطهور فالمراد به هنا الفعل وهو بضم الطاء على المختار، واختلف في معناه فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة قال تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً وقيل غير ذلك.
وأما قوله : ( والحمد لله تملأ الميزان ) فمعناه : أنها لعظم أجرها تملأ ميزان الحامد لله تعالى، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها.
وكذلك قوله : ( وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ) وسبب عظم فضلها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى والافتقار إليه.
وقوله: ( تملآن أو تملأ ) ضبطه بعضهم بالتاء المثناة فوق وهو صحيح فالأول ضمير مثنى والثاني ضمير في هذه الجملة من الكلام. وقال بعضهم: يجوز تملآن بالتذكير والتأنيث أما التأنيث فعلى ما تقدم وأما التذكير فعلى إرادة النوعين من الكلام وأما تملأ فيذكر على إرادة الذكر.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( والصلاة نور ) فمعناه إنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل معناه أن يكون آخرها نوراً لصاحبها يوم القيامة وقيل إنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( الصدقة برهان ) فقال صاحب التجريد: معناه أنه يفزع إليها كما يفزع للبراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت له صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول : تصدقت به، وقال غيره : معناه أن الصدقة حجة على إيمان فاعلها لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على قوة إيمانه والله أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( والصبر ضياء ) فمعناه الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضاً على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئاً به ومهتدياً مستمراً على الصواب. قال إبراهيم الخواص : الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة. وقيل الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال أبو علي الدقاق رحمه الله الصبر أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار البلاء على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في حق أيوب عليه السلام : ( إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب ) مع إنه قال : ( إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) والله أعلم.
وأما قوله : ( والقرآن حجة لك أو عليك ) فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو عليك.
وقوله : ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) معناه أن كل إنسان يسعى لنفسه فمنهم من يبيعها لله بطاعته له فيعتقها من العذاب كما قال تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) ومن يبيعها للشيطان والهوى بإتباعها فيوبقها أي يهلكها اللهم وفقنا للعمل بطاعتك وجنبنا أن نوبق أنفسنا بمخالفتك.

حديث : تحريم الظلم
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلتع بينكم محرماً، فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيَط إذا أُدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم.
الشرح
قوله : ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً ) قال بعض العلماء معناه لا ينبغي لي ولا يجوز علي كما قال تعالى : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ً) فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث : لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه : ( إني حرمت الظلم على نفسي ) فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره.
وكذلك قال : ( فلا تظالموا ) المعنى المظلوم يقتص له من الظالم وحذفت إحدى التائين تخفيفاً أصله فلا تتظالموا.
وقوله : ( كلكم ضال إلا من هديته وكلكم جائع إلا من أطعمته وكلكم عارٍ إلا من كسوته ) تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك وهو يرجع إلى معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكل ما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى.
وقوله : ( فاستهدوني أهدكم ) أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول أنما أوتيته على علم عندي وكذلك كلكم جائع إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعاً حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الرزق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضاً أدب للفقراء، كأنه قال لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم فاستطعموني أطعمكم وكذلك ما بعده.
وقوله : ( إنكم تخطئون بالليل والنهار ) في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك إن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيه غالباً من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار في الطاعة، فإنه خلق مشهوداً من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله أيضاً، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سراً أو جهراً، لأنه سبحانه وتعالى قد قال بعد ذلك : ( وأنا أغفر الذنوب جميعاً ) فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف، وأكدها بقوله : ( جميعاً ) وإنما قال ذلك قبل أمره إيماناً بالاستغفار، لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه.
قوله : ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم ) إلى آخره فيه ما يدل على أن تقوى المتيقن رحمة لهم وإنها لا تزيد في ملكه شيئاً.
وأما قوله : ( لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ) إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب فإن ما عند الله لا ينقص وخزائنه لا تنفذ فلا يظن ظان إن ما عند الله يغيضه الإنفاق كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ) وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائماً لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.
وقوله : ( إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر ) هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى أن ذلك ما ينقص مما عنده شيئاً، والمخيط بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء هو الإبرة.
وقوله : ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ) يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك.
وقوله : ( ومن وجد غير ذلك ) لم يقل ومن وجد شراً يعني ومن وجد غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، أكد ذلك بالنون، تحذيراً أن يخطر في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه والله أعلم.

حديث : ذهب أهل الدثور بالأجور
عن أبي ذر رضي الله عنه أيضاً أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: ( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ، إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة ). قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال : ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) رواه مسلم.
الشرح
الدثور بضم الدال جمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
وقوله : ( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ) الرواية بتشديد الصاد والدال جميعاً ويجوز في اللغة تخفيف الصاد.
وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات وإنما تصير طاعات بالنيات الصادقات.
وفيه دليل على جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى عليه من الدليل إذا علم من حال المسؤول إنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب وذكر العالم الدليل على بعض ما يخفى من المسائل.
وقوله : ( وأمر بالمعروف صدقة ونهي المنكر صدقة ) إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد منه في التسبيح وما ذكره بعده لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين بخلاف الأذكار التي تقع نوافل، وأجر الفرائض أكثر من أجر النفل كما دل عليه قول عز وجل : ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ) رواه البخاري، قال بعض العلماء يزيد ثواب الفرض على ثواب النفل سبعين درجة واستأنس له بحديث.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( في بضع أحدكم صدقة ) وهو بضم الباء ويطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه وكلاهما يصح إرادته ها هنا، وقد تقدم أن المباحات تصير بالنيات طاعات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو زوجته أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
وقولهم : يا رسوا الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال : ( أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر ) إلى آخره فيه جواز القياس وهو مذهب العلماء ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعهده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس هو قياس العكس واختلف الأصوليون في العمل به والحديث دليل لمن عمل به.

حديث : فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم وإعانتهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل سُلاَمَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس : تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة. والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) رواه البخاري ومسلم.
الشرح
قوله : ( سلامى ) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وهي المفاصل والأعضاء وقد ثبت في صحيح مسلم إنها ثلاثمائة وستون، قال القاضي عياض وأصله عظام الكف والأصابع والأرجل ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. قال بعض العلماء المراد صدقة ترهيب وترغيب لا إيجاب وإلزام.
قوله : ( تعدل بين اثنين صدقة ) أن يصلح بينهما بالعدل، وفي حديث آخر من رواية مسلم ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة وتهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة يجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ) أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته والله أعلم.

حديث : البر حسن الخلق
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) رواه مسلم ، وعن وابضة بن معبد رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( جئت تسأل عن البر ) قلت : نعم. قال : ( استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
الشرح
قوله : ( البر حسن الخلق ) يعني أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال : ( الحج عرفة ) . أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون لله عز وجل. والمراد بحسن الخلق الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى فقال : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) إلى قوله : ( أولئك هم المؤمنون حقا ً) ، وقال تعالى : ( التائبون العابدون الحامدون ) إلى قوله : ( وبشر المؤمنين ) وقال : ( قد أفلح المؤمنون ) إلى قوله : ( أولئك هم الوارثون ) ، ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ) إلى آخر السورة فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميعها علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة على سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط وإن من فعل ذلك فقد هذب خلقه بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق بأخلاقهم.
ومن حسن الخلق احتمال الأذى فقد ورد في الصحيحين : ( أن أعرابياً جذب بردى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أثرت حاشيته على عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك وأمر له بعطاء ).
وقوله : ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) يعني هو الشيء الذي يورث نفرة في القلب وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر : أن الإثم ما يحيك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم أماثلهم ووجوههم، لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم.

حديث : وجوب لزوم السنة
عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال : ( أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
الشرح
وفي بعض طرق هذا الحديث ( أن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) قوله ( موعظة بليغة ) يعني بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا ووجلت منها القلوب. أي خافت وذرفت منها العيون كأنه قام مقام تخويف ووعيد.
وقوله : ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ) يعني لولاة الأمور وأن تأمر عليكم عبد وفي بعض الروايات عبد حبشي. قال بعض العلماء العبد لا يكون والياً ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى لله مسجداً كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ) ومفحص قطاة لا يكون مسجداً ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليباً لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.
وقوله : ( وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ) هذا من بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان عالماً به على التفصيل ولم يكن بينه لكل أحد إنما حذر منه على العموم وقد بين ذلك لبعض الآحاد كحذيفة وأبي هريرة وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما.
وقوله : ( فعليكم بسنتي ) السنة : الطريقة القويمة التي تجري على السنن وهو السبيل الواضح، ( وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) يعني الذين شملهم الهدي وهم الأربعة بالإجماع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
وأمر صلى الله عليه وسلم بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين : أحدهما التقليد لمن عجز عن النظر.
والثاني : الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة.
وقوله : ( وإياكم ومحدثات الأمور ) إعلم أن المحدث على قسمين : محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم.
ومحدث يحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ المحدث ولفظ البدعة لا يذمان لمجرد الإسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وقال عمر رضي الله عنه : " نعمت البدعة هذه " يعني التراويح.
وأما النواجذ فهي آخر الأضراس والله أعلم.

حديث : حقوق الله تعالى
عن أبي ثعلبة الخشني - جرثوم بن ناشر- رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
الشرح
قوله : ( فرض ) أي أوجب وألزم.
وقوله : ( فلا تنتهكوها ) أي فلا تدخلوا فيها وأما النهي عن البحث عما سكت الله عنه فهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) قال بعض العلماء : كانت بنو اسرائيل يسألون فيجابون ويعطون ماطلبوا حتى كان ذلك فتنة لهم وأدى ذلك إلى هلاكهم.
وكان الصحابة رضي الله عنهم قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلا فيما لا بد منه وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون ويعون.
وقد بالغ قوم حتى قالوا لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع، وقد كان السلف يقولون في مثلها دعوها حتى تنزل إلا أن العلماء لما خافوا ذهاب العلم أصلوا وفرعوا ومهدوا وسطروا.
واختلف العلماء في الأشياء قبل ورود الشرع بحكمها هل هي خطر أو الإباحة أو الوقوف على ثلاثة مذاهب وذلك مذكور في كتب الأصول.