بّسم الله الرّحمن الرّحيم
دائرة المعارف
الحكمة والأمثال على لسان الطير والحيوان


حكاية البطة والطاوسة والظبية
يُحكى أن طاووسة كانت تأوي إلى جانب البحر، وكان ذلك الموضع كثير السباع وفيه من الوحوش ما زاد على الإحصاء، غير أنه كان كثير الأشجار والثمار والعزب من الماء وفاض فيه الغذاء مما رغب الطاووسة فى المقام فيه، فتأوي إلى شجرة من تلك الأشجار ليلاً من خوفها من الوحوش وجوارح الطيور، فإذا بزغ الفجر وظهر الضياء خرجت في طلب الرزق،
فبينما هى على هذا الحال إذا ببطة أقبلت عليها وهي في فزع شديد، ولم تزل تسعى حتى أتت إلى الشجرة التي عليها الطاووسة فاطمأنت فلم تشك الطاووسة في أن تلك البطة لها حكاية عجيبة فسألتها عن حالها وعن سبب خوفها فقالت: سبب خوفى حزنى هو الإنسان، فالحذر ثم الحذر من بني آدم،
فقالت الطاووسة: لا تخافي فهذا المكان لا يصل اليه إنسان لكثرة الوحوش، فقالت البطة: الحمد لله الذي فرج عني همي وغمي بقربى منك وبعدى عن إبن أدم. فقالت الطاووسة : أهلاً وسهلاً ومرحباً ولا بأس عليك فحدثينى بالذي نزل بك وارهبك من بني آدم،
فقالت البطة: عشت طوال عمري فى هذه الغابة آمنة مطمئنة داخل بيتى الضغير لا أرى مكروهاً، فالغذاء كثير والرزق وفير، والبيت يمنع عنى الوحوش، ولم يعكر صفو حياتى غير ذلك المنام الذى شاهدته ذات ليلة، حيث رأيت في منامي من يحاول أن يمسك بى ليزبحنى فأخذت اجرى وانا استغيث حتى دخلت فى جحر منيع منعنى منه، ثم سمعته من ينادينى: اخرجى ولا تخافى إنما اريد ان العب معك، فكدت ان اخرج لولا اننى سمعت قائلاً يقول: أيتها البطة احذري منه ولا تخرجى ولا تغتري بكلامه فإنه إبن أدم وأنت جزء من طعامه، وهو كثير الحيل والمكر فهو يحتال على الحيتان فيخرجها من البحار، ويرمي الطير فيسقطه على الأرض، ويوقع الوحوش بمكره فى شركه، فلا تخرجى حتى تستيقنى من إنصرافه، فاستيقظت من منامي خائفة مرعوبة خوفاً على نفسي لئلا يخدعنى الإنسان بحيلته او يقهرنى بقوته، فلم اخرج من بيتى حتى كاد النهار ان ينتهى وقد ضعفت قوتي وبطلت همتي واصابنى الجوع فخرجت لليحث عن الطعام والشراب وانا خائفة وقلبي مقبوض، فلما وصلت إلى الماء وجدت عنده شبل صغير أصفر اللون، قلما رآني ذلك الشبل فرح بي فرحاً شديداً وأعجبه لوني وكوني لطيفة الذات، فصاح ينادينى، فلما إقتربت منه قال لي: ما جنسك وما اسمك،
فقلت له: أنا من جنس الطيور واسمي بطة، ثم شربت من الماء وحاولت الإنصراف، فخفت عليه من بنى أدم فقلت له: ما سبب قعودك عند الماء إلى هذا الوقت ولم تغادر بعد أن شربت،
فقال الشبل: انتظر ابن أدم ان يحضر ليشرب من الماء فأنتقم منه فإن والدي الأسد له أيام وهو يحذرني منه حتى قررت أن جلس عند الماء لأرده إذا حضر الى الماء ليشرب، ولابد وانه سوف يحضر ليشرب، فإجلسى معى لتخبرينى به فأنا لا اعرف شكله،
فقلت له: وانا ايضآ لا اعرف شكله، ولكن يمكن ان تسأل كل من يرد الماء حتى إذا علمت انه ابن ادم فأقتله ولا تمهله فإنه مُخادع.
ثم اخبرته بما رأيت فى منامى، وما زلت يا أختي أحذر الشبل من ابن آدم وأوصيه بقتله حتى قام من وقته وساعته من المكان الذي كان فيه، وقال: سوف ابحث عنه ولن انتظره، فقلت له: الأفضل ان تنتظره هنا عند الماء،
فجلس وجلست قريبآ منه، فظهرت غبرة كثيفة ثم انكشفت عن حمار شارد يرفص برجليه، فلما رآه الشبل صاح عليه يناديه، فأتى إليه خاضعاً. فقال له: ما جنسك وما اسمك،
فقال الحمار: أنا من جنس الحيوان واسمي الحمار،
فقال له الشبل: فما سبب جريك ورفصك،
فقال الحمار: سبب جري ورفصى هو هروبي من ابن آدم،
فقال له الشبل: وهل أنت خائف من ابن آدم أن يقتلك،
فقال الحمار: لا يا ابن ملك الغابة، وإنما خوفي أن يعمل حيلة ليركبني كما ركب ابى لأن عنده شيئاً يسميه البردعة فيجعلها على ظهري وشيئاً يسميه الحزام، فيشده على بطني وشيئاً يسميه الطفر فيجعله تحت ذنبي وشيئاً يسميه اللجام فيجعله في فمي ويحمل منخاساً ينخسني به ويكلفني ما لا أطيق من الجري وإذا عثرت لعنني وإذا نهقت شتمني وبعد ذلك إذا كبر سنى ولم أقدر على الجري سلمني إلى السقائين فيحملون الماء على ظهري من البحر في القرب ونحوها كالجرار ولا أزال في ذل وهوان وتعب حتى أموت فيرموني فوق التلال للكلاب فأي شيء أكبر من هذا الهم، وأي مصيبة أكبر من هذه المصائب،
فقال الشبل: وإلى أين أنت ذاهب،
فقال الحمار: إني نظرت ابن آدم قبل إشراق الشمس من بعيد ففرت هرباً منه، وها أنا أريد أن أنطلق عسى أن أجد لي موضعاً يأويني منه، ثم إنطلق الحمار يجرى كالريح المرسلة.
فلما سمعت كلام الحمار اقشعر بدنى وإنتفض ريشى من الخوف وقلت للشبل: يا سيدي إن الحمار معذور وقد زادني كلامه رعباً على رعبي،
وما إن إنطلق الحمار حتى ظهرت لنا غبرة كثيفة فنظر الشبل جهتها وقد اعد نفسه للهجوم والقتال، فلما انكشفت الغبرة ظهر فرس أدهم بغرة كالدرهم مليح التحجيل حسن القوائم والصهيل ولم يزل يجري حتى وقف بين يدي الشبل ابن الأسد. فلما رآه الشبل استعظمه وخاف منه ثم قال له: هل انت إبن أدم،
فقال الفرس: لا ، إنما انا فرس من الخيل،
فقال له: فما سبب شرودك في هذا البر العريض الطويل،
فقال الفرس: انا هارب من ابن آدم،
فتعجب الشبل من كلام الفرس وقال: كيف تخاف ابن آدم مع عظم بنيتك وسرعة جريك، وشدة رفسك، فإنك إن رفسته برجلك لقتلته، فأنا مع صغر جسمي قد عزمت على أن ألتقي مع ابن آدم فأبطش به، وآكل لحمه وأحطم عظامه،
فضحك الفرس لما سمع كلام الشبل وقال: انت غيرى يا إبن ملك الغابة، فلا يغرك رفسى ولا ضخامة بنيتى فهما لا ينفعان مع ابن آدم، فقد زللنى الله تعالى له، فوضع فى قوائمي شكالين من حبال الليف الملفوفة باللباد ويصلبني من رأسي في وتد عال وأبقى واقفاً وأنا مصلوب لا أقدر أن أقعد ولا أنام وإذا أراد أن يركبني يعمل لي شيئاً في رجلي من الحديد اسمه الركاب ويضع على ظهري شيئاً اسمه السرج، ويشده بحزامين من تحت إبطي ويضع في فمي شيئاً من الحديد يسميه الحكمة ويربط فيه اللجام ويضع فيه شيئاً من الجلد يسميه السرج فإذا ركب فوق ظهري يمسك السرج بيده ويقودني ويهمزني بالركاب في خواصري حتى يدميها ولا تسأل يا ابن السلطان فيما أقاسيه من ابن آدم، فإذا كبرت وانتحل ظهري ولم أقدر على سرعة الجري يبيعني للطحان ليدورني في الطاحون فلا أزل دائراً فيها ليلاً ونهاراً إلى أن أهرم فيبيعني للجزار فيذبحني ويسلخ جلدي وينتف ذنبي ويبيعها للغرابلي والمناخلي ويسلي شحمي.
فلما سمع الشبل كلام الفرس ازداد غيظاً وغماً وقال له: متى فارقت ابن آدم،
قال: فارقته نصف النهار وهو في أثري. ثم إنطلق الفرس يجرى، وقد ظهرت الحيرة على الشبل فجلس يفكر فى امر إبن أدم، فإذا بغبرة ثارت وبعد ذلك انكشفت الغبرة عن جمل هائج وهو يبعبع ويخبط برجليه في الأرض ولم يزل يفعل كذلك حتى وصل إلينا، فلما رآه الشبل كبيراً ضخكآ غليظاً ظن أنه ابن آدم فأراد الوثوب عليه فقلت له: يا ابن ملك الغابة هذا جمل وكأنه هارب من ابن آدم.
فأقبل الجمل ثم سلم على الشبل فرد عليه الشبل السلام وقال له: تفضل فإشرب أيها الجمل الكريم،
فقال الجمل : ما حضرت لأشرب، فقد شربت ما يكفينى من الماء لعدة أيام، فانا احتفظ داخلى بالماء الكثير، وإنما جئت هارباً من ابن آدم،
فقال له الشبل وقد تملكته الدهشة: كيف تخاف من إبن أدم مع عظم خلقتك وطولك وعرضك فإنك إن رفسته برجلك رفسة لقتلته، او بركت فوقه هشمت عظامه،
فقال الجمل: كيف وقد زللنى الله تعالى له، فوضع في رأسي مقوداً فيجرني الولد الصغير بالخيط مع كبري وعظمي ويحملونني أثقل الأحمال ويسافرون بي الأسفار الطوال ويستعملونني في الأشغال الشاقة إناء الليل وأطراف النهار، وإذا كبر سنى وانكسرت همتى لم يحفظ صحبتي بل يبيعني للجزار فيذبحني ويبيع جلدي للدباغين ولحمي للطباخين ولا تسأل عما أقاسي من ابن آدم،
فقال له الشبل: أي وقت فارقت ابن آدم،
فقال الجمل: فارقته وقت الغروب وأظنه سوف يسعى في طلبي فدعني يا ابن السلطان حتى أهيج في البراري والقفار،
فقال الشبل: تمهل قليلاً يا جمل حتى تنظر كيف أفترسه وأهشم عظمه وأكل من لحمه وأشرب من دمه، عندما يأتى ليشرب،
فقال له الجمل: يا ابن السلطان أنا خائف عليك منه، فإنه مخادع ماكر، فإحترس منه ولا تغرك قوتك، ثم إنطلق الجمل فى طريقه، وجلس الشبل عند الماء وهو متردد، ولولا وجودى لإنصرف عائدآ الى عرين ابيه،
ثم غلب الشبل النوم فنام الى جوار الماء وانا الى جواره، ولم نستيقظ إلا على حرارة الشمس، فنزلت اسبح فى الماء، فشاهدت مخلوق لم اشاهده من قبل طوال حياتى يأتى من بعيد وهو يحمل على كتفيه الواح من الخشب، وفى بده غلق، فخرجت من الماء وانا فى شدة الخوف وقلت للشبل: لعل هذا هو إبن أدم، فإنى لم اشاهد حيوان بهذه الهيئة.
فقام الشبل وتمشى إليه ولاقاه، وقال له وهو يزئر ويزمجر: هل انت إبن أدم،
فقال له وهو بضحك في وجهه : يا إبن الملك الجليل صاحب الباع الطويل أسعد الله صباحك وزاد في شجاعتك وقواك، إنما انا نجار وهذه عدة النجارة داخل الغلق، وقد حضرت اليك لتجيرني وتحمينى من الذى ظلمنى وبشره رماني.
فقال له الشبل : قد أجرتك انا وابى مما تخشاه، فمن ذا الذي ظلمك،
فقال له: يا سيد الوحوش أنا نجار اصنع للوحوش البيوت التى تحميها من إبن أدم، فلما علم إبن ادم بذلك عادانى وقرر ان ينتقم منى، وانا لا اقوى عليه،
فلما سمع الشبل هذا الكلام تبدل الضياء في وجهه بالظلام وزئر ورمت عيناه بالشرر وصاح : واين هو،
فقال: في المساء، إذا عم الظلام، يكون عندك في هذا المكان ليشرب من الماء،
فقال الشبل: والله لن اغادر المكان ولن أرجع إلى والدي حتى يحضر إبن ادم فأخلصكم من شره،
فقال: اخاف ان يحضر ابن ادم بعد ان يكون النوم قد غلبك فيباغتك ويوقعك فى شباكه،
فقال الشبل: وما العمل،
فقال: انا ذاهب إلى الفهد، فقد ارسل لى رسولآ لأحضر اليه من اجل ان أصنع له بيتاً يسكن فيه ويأوي إليه يمنع عنه عدوه، فبعد ان انتهى من صنع بيت الفهد وفى طريق عودتى اصنع لك بيتآ مثله،
فلما سمع الشبل هذا الكلام إنخدع به فقال له: بل تصنع لي من هذه الألواح بيتاً قبل أن تصنع للفهد بيته، فإذا فرغت منه فامض إلى الفهد واصنع له ما يريد،
فقال: سمعآ وطاعة يا مولاى، ثم تناول الألواح التي كانت معه وصنع البيت، فلما إنتهى منه قال للشبل: أدخل في هذا البيت يا مولاى من هذه الطاقة لأغلقه عليك فلا يصل اليك عدوك،
ففرح الشبل بذلك واتى تلك الطاقة فرآها ضيقة فقال: هذه الطاقة ضيقة،
فقال له: ادخل وابرك على يديك ورجليك، ففعل الشبل، وما ان دخل الشبل حتى اغلق عليه الباب بالخشب وسمره بالمسامير بقوة، فصاح الشبل قائلاً: يا نجار ما هذا البيت الضيق الذي صنعته لي دعني أخرج منه،
فأخذ يضحك ثم قال له: وهل يخرج الصيد من شباك الصياد، قد وقعت فيما كنت تخاف منه، وجاءك القدر الذى حاولت ان تهرب منه، ولم ينفعك الحذر. لأنك حاربت عدو لا تعرفه، ثم حمل الصندوق وبداخله الشبل وهم بالأنصراف،
فقلت له: اين تذهب به ايها النجار، فضحك وقال: انا صياد وحوش ولست بنجار، وسوف اذهب به الى حديقة الحيوان،
فقال الشبل: اخرجنى وإلا إنتقم منك ابى، فقال الصياد: قد يلحق بك ابوك فى الحديقة،
فلما سمع الشبل كلامه علم أنه ابن آدم الذي حذره منه أبوه وتحققت انا من أنه هو بلا شك ولا ريب فخفت منه على نفسي خوفاً عظيماً وهربت منه، وها انا لي يومان هاربة من ابن آدم وخائفة منه فلما سمعت الطاووسة من البطة هذا الكلام تعجبت منه غاية العجب وقالت: يا أختي قالوا " إعرف عدوك قبل أن تحاربه "، والأمر كلة بيد الله، وما هى إلا اسباب، فمن كان على جبيننا شيء إستوفاه، والأعمار بيد الله، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فإن خفتى من شىء فإستجيرى بالله واعتصمى به واكثرى من التسبيح والإستغفار ففيه النجاة،
فقد ورد أنه كان في احد كهوف الجبال رجل من الرعاة صاحب دين وعقل وعفة وكان له غنم يرعاها وينتفع بألبانها وأصوافها وكان يأوي إلى ذلك الكهف زوج من الحمام ، فكان الراعى إذا اصبح قال: اصبحنا واصبح الملك لله والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شربك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، والحمام والأغنام تردد خلفه التسبيح ثم يقول: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يخرج بغنمه من الكهف الى مراعى الجبل، وكان الجبل كثير الأشجار والمرعى والسباع، ولم يكن لتلك الوحوش قدرة على الراعي ولا على غنمه، وإذا أقبل المساء قال: اللهم بل اصبحنا وبك امسينا واليك المصير، اللهم إنى أسألك خير هذه الليلة واعوز بك من شرها وشر ما فيها، والحمام والأغنام تردد خلفه ثم يقول: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يدخل بغنمه الى الكهف للمبيت،
ولم يزل على ذلك مقيماً في الكهف مطمئناً لا يهمه شيء من أمر الدنيا إلا إقباله على عبادته الى أن اصابه مرض شديد، فلم بقوى على الخروج من الكهف، فكان إذا إنتهى من تسبيح الصباح إشار الى الحمام والأغنام فخرجت إلى مرعاها، ثم تأوي بالليل إلى الكهف دون ان يصيبها الضرر من وحوش الجبل وسباعه، وكان بالقرب من الجبل قرية فيها رجل بارآ بوالديه نظنه من الصالحين، فكان يسمع كلام اهل القرية عن الأغنام التى ترعى فى الجبل بدون راع فيتعجب، وبينما هو جالس يطعم والدته أقبل اليه زوج الحمام واخذ يرفرف امامه ثم يطير ثم يعود مرة اخرى، فقالت له والدتة: إن هذا الحمام يريد ان يطلعك على شىء فتتبعه، فأخذ الرجل يتتبع الحمام حتى وصل إلى شجرة عندها عين جارية فجلس في ظل الشجرة ليستريح والحمام يحوم حوله، والأغنام تشرب من ماء العين ثم تنصرف، فبينما هو جالس وإذا بقطيع من الذئاب أتوا إلى تلك العين ليشربوا منها، فتخفى خلف الشجرة لكى لا تراه الذئاب، فوقفت الذئاب تشرب والأغنام الى جوارها ثم إنصرفت، فتعجب الرجل مما شاهد ثم إنطلق مسرعآ حتى أتى الراعي داخل الكهف، وهوى ليقبل يدي الراعى فمنعه، فقص عليه ما شاهد من أمر الذئاب، فتبسم الراعى وقال: لا تتعجب من إمر أغنام الله يرعاها، فبعد ان أقعدنى المرض، قالت: اللهم إنى قد استودعتك اغنامى، ثم طلب الراعى من الرجل ان يحضر له من اعشاب سوف يدله الحمام عليها، فإنطلق الرجل خلف الحمام حتى إنتهى الر الشجرة فأحضر من إعشابها، ثم عاد الى الراعى، فأخذها منه ثم اضاف الى بعضها البان الغنم ثم شربها قال: الحمد لله، فيها الشفاء بأمر الله، وجزاك الله عنى خيرآ، ثم طلب منه ان يعود الى والديه، وقال له: إنما طلبتك لأجل ذلك، فأراد الرجل ان يبقى مع الراعى يعبدان ربهما ويتقوتان من لحوم الغنم وألبانها متجردين من الدنيا وما فيها، فتبسم الراعى وقال له: أحسبك عند الله خير منى لبرك بوالديك، ولا ازكى على الله احد، ويكفينى منك ان تزورنى فى الله كلما يسر الله لك ذلك، ولا تخبر بأمرى أحد، فإستمرا على ذلك حتى توفى الله والدى الرجل فلحق بالراعى ليعيش الى جواره فى الكهف، فقال له الراعى: إذهب فتزوج ليكون لك اولاد يعبدون الله ويسبحونه، ويكفينى منك ان تزورنى فى الله كلما يسر الله لك ذلك، ولا تخبر بأمرى أحد، فإستمرا على ذلك حتى توفى الله الراعى فدفنه الرجل داخل الكهف واغلقة عليه، وتولى هو رعاية الأغنام كصدقة جاربة للراعى وقد بارك الله فيها، فكان يشرب من البانها ويأكل من لحومها كل أهل القرية،
فلا تخافى يا اختى ولا تحزنى، وبينما هما في هذا الكلام إذ طلعت عليهما غبرة فعند ذلك صاحت البطة ونزلت البحر وقالت: الحذر والحذر وإن لم يكن مفر من القدر وكانت الغبرة عظيمة فلما انكشفت الغبرة ظهر من تحتها ظبية فاطمأنت البطة والطاووسة، ثم قالت الطاوسة للبطة : يا أختي إن الذي تفزعين منه ظبية وها هى قد أقبلت نحونا فليس علينا منها بأس لأن الظبية إنما تأكل مما نأكل منه من حشائش ونباتات الأرض فاطمئني ولا تهتمي فإن الهم ينحل البدن فلم تتم الطاوسة كلامها حتى وصلت الظبية إليهما لتستظل تحت الشجرة، فلما رأت الظبية البطة والطاووسة سلمت عليهما وقالت لهما: إني قد دخلت هذه الغابة اليوم فلم أر أكثر منها خصباً ولا أحسن منها مسكناً، فدعتها الطاوسة الى مرافقتهما، فلما رأت البطة والظبية تودد الطاووسة لهما وحسن عشرتها لهما إطمئنا لها وصار مبيتهم واحد ومأكلهم سواء ولم يزالوا آمنين آكلين شاربين حتى مرت سفينة في البحر فأرست قريباً منهم فطلع البحارة منها وتفرقوا في الغابة فرأوا الظبية والطاووسة والبطة مجتمعين فأقبلوا عليهم فشردت الظبية في البرية وطارت الطاووسة فوق الشجرة وإنطلقت البطة تجرى والبحارة يلاحقونها، ولم يزالوا بها حتى صادوها وانصرفوا بها إلى سفينتهم وهى تصيح: لم ينفعني الحذر من القضاء والقدر، فأخذت الطاووسة تبكى على فراق البطة وتقول: لولا هذه السفينة ما حصل بيني وبين هذه البطة افتراق ولقد كانت من خيار الأصدقاء، ولكنها عادت فاستغفر الله، وقالت: كل شىء بقضاء، ثم طارت الطاووسة تبحث عن الظبية فلما عثرت عليها واجتمعت بها اخبرتها بما حدث للبطة وقالت لها: قد أخذها بنى ادم فهى لهم طعام ولولا انك هربتى منهم لأخذوك معها، فاغتمت الظبية غماً شديدآ لفراق البطة فقالت الظبية للطاووسة: يا أختي قد علمت أن الناس الذين طلعوا لنا من المركب كانوا سبب فراقنا وهلاك البطة فاحذريهم واحترسي منهم ومن مكرهم، فقالت الطاوسة: كل شىء بقدر، وفى التسبيح والإستغفار النجاة. فلما سمعت الظببية كلام الطاووسة قالت: أحسن الله صورتك وأقبلت على التسبيح لا تفتر عنه ساعة تقول صباح مساء : سبحان الملك الديان ذي الجبروت والسلطان. وعاشت الظبية الى جوار الطاووسة فى الغابة آمنتين آكلتين شاربتين مسبحتين. حزينتين على فراق البطة.

حكاية طير البحر والسحلف
يُحكى أن طيراً من طيور البحر طار وعلا فى الجو ليبحث عن طعامه من اسماك البحر، فلما شاهدته الأسمال غاصت قريبآ من قاع البحر، فأخذ الطير يحوم وهو حزين يتابع النظر لعل سمكة تقترب من سطح الماء فيغوص ويقتنصها، ولكن خاب أمله وحبط سعيه، وبعد طول إنتظار أبصر بقرة ضخمة قد ماتت غريقة واخذت الأمواج تتقاذفها حتى حجزتها صخرة بالقرب من الشاطىء وقد اكلت حيتان البحر اطرافها وإنتفخ بطنها وإرتفع، فلما شاهدها طير البحر فرح بها فرحاً شديداً وقال: هذا رزق ساقه الله لي، ودنا منها على حذر حتى إطمئن فأقبل ليأكل منها ولكنه رأى نسوراً وعقباناً قد اقبلت واخذت تحوم حولها من جميع جوانبها، وقد احاطوا بها، فلما رأى طير البحر ذلك خاف وإنطلق مُغادرآ للمكان خوفآ من النسور والعقبان، ولم يزل طائراً حتى وجد نهراً قد حفت الأشجار ضفتيه، فنزل على واحدة منها كئيباً حزيناً على بعده عن وطنه وضياع رزقه الذى فرح به، فأخذ يبكى ويقول لنفسه : لم تزل الأحزان تتبعني حتى صار فرحي غماً وسروري حزناً وهماً, وقد كان الطعام بين يدى وفير، فأكلته سباع الطيور، فسمع من يقول له: رزقك مضمون، ولا تفرح بالدنيا فإنها دار من لا دار له، يغتر بها من لا عقل له، ويركن اليها من لا يقين له، فنظر الى مصدر الصوت فوجده ذكر من السلاحف أقبل منحدرآ من الماء، فدنا منه طير البحر وسلم عليه وقال: ما احكمك يا سيدي،
فقال له ذكر السلاحف: ما الذي أبعدك عن موطنك وجلب لك الهم والغم،
قال: حلول الأعداء فيه ولا صبر للعاقل على مجاورة عدو لا قبل له به، ثم قص عليه ما حدث له،
فقال السلحف: إذا كان الأمر كما وصفت والحال مثل ما ذكرت فأنا بين يديك ولا أفارقك حتى أذهب همك وغمك وأقضي حاجتك وأوفي بخدمتك، فإنه لا وحشة أشد من وحشة الغريب المنقطع عن أهله ووطنه، ولن اتركك حتى تستغنى عنى وتعود الى اهلك ووطنك فلا غنى لك عنهما.
فلما سمع طير البحر مقالة السلحف قال له: لقد صدقت في قولك، والحمد لله الذى ابدلنى بمقامى هذا خير من سالف مقامى ورفيقآ قد عوضنى عن فراق أخواني وخلاني، ودفع عنى الفزع والجزع.
فقال له السلحف: إياك والجزع فإنه يفسد عليك معيشتك ويذهب مروءتك، فكان السلحف بغوص فى الماء فينفر السمك ليصعد الى سطح الماء فيلتقطه طير البحر، ودامت الحياة بينهما ايام عديدة سعيدة حتى اشتاق طير البحر الى أهله ووطنه، وظهر عليه الإنشغال وعدم السعادة، فقال له السحلف: عد الى وطنك فهو خير لك والى اهلك فلا غنى لك عنهم، فإنى ارى الحزن قد خبم عليك ولن يطيب لك مُقام إلا فى وطنك وبين اهلك، فأيقن طير البحر بصدق نصيحة السحلف له فودعه ثم طار عائدآ الى وطنه، فلما وصل إليه لم ير من سباع الطير شيئاً فإطمئن ولكنهم كانو قد اكلوا البقرة كلها ولم يبقى منها غير العظام، والاسماك لاتزال تغوص قريبآ من قاع البحر، فرجع طير البحر الى السلحف ليخبره بزوال العدو من مكانه بعد ان أكل كل البقرة ويخبره عن حال الأسماك معه، فلما وصل إلى السلحف أخبره فقال له السحلف: عد الى وطنك وابحث عن رزقك فإن لم تجد وخفت على نفسك الهلاك فتعالى وأسكن الى جوارى،
فعاد الطير الى مكانه واخذ يبحث عن الطعام فلم يجد وكاد ان يهلك فقال لنفسه: اعود الى السحلف واقيم الى جواره، ولكنه لم يقدر على الطيران للذهاب الى السحلف فأيقن بالهلاك فنظر الى السماء يطلب من الله الرزق فقد فشلت حيلته وإنقطعت وسيلته فى طلب الرزق، فإذا بغمامة عظيمة من الجراد، اخذ المطر يُسقط منها على سطح الماء الكثير فأخذ الطير يأكل منها حتى بلغ منه الشبع منتهاه، فأخذ يدخر منها ويحمد الله تعالى، ثم طار الى السلحف من فرحه ليخبره، فضحك السلحلف وقال له: عد الى وطنك واعبد ربك وحده وابحث عن رزقك ستجده يبحث عنك اكثر مما تبحث انت عنه،
فقال الطير للسحلف: ما يمنعك ان تذهب معى وتعيش الى جوارى، فإنى اراك وحيدآ لا أهل لك ولا احباب فى هذه البلاد،
فقال له السحلف: صدقت، ولكنها بلاد أبى وامى عاشا فيها وماتا فيها فلا اتركها حتى يوافينى اجلى الى جوارها فقد اوصانى ابى بذلك،
فقال له طير البحر: هذا لا يمنع من ان تزورنى وازورك حتى لا ينقطع الوصال بيننا، فإتفقا على ذلك، ومرت شهور وسنوات على ذلك، وحدث ان كان السحلف فى ضيافة طير البحر فمرض مرضا شديدآ وخاف ان يموت بغير ارضه، فطلب من طير البحر ان ينقله الى ارضه، فتكاتفت طيور البحر وتجمعت وحملت السلحف الى موطنه ليموت الى جوار ابيه كما اوصاه،

حكاية الثعلب مع الذئب
يُحكى انه كان فى من كان يسكن الغابة من الوحوش ثعلباً وذئباً ألفا وكراً فكانا يأويان إليه مع بعضهما فلبثا على ذلك مدة من الزمان وكان الذئب للثعلب قاهر، فاتفق أن الثعلب أشار على الذئب بالرفق وترك الفساد وقال له: إن دمت على عتوك فارقتك وربما سلط الله عليك ابن آدم فإنه ذو حيل ومكر يصيد الوحوش ويسقط الطير ويخرج الحوت من البحر ويقطع الجبال وينقلها ويشيد بها البنيان، فعليك بالإنصاف وترك الشر، وقد بصحتك رغم ان الحكيم قال: لا تبذل النصيحة للأشرار فإنهم يجزونك عليها شراً، فلما سمع الذئب كلام الثعلب، ذئر وهاج وماج وهدده إن هو فارقه قتله، فخاف الثعلب وتبسم في وجه الذئب واعتذر إليه فقبل الذئب اعتذاره ووعده بأنه سوف يكف عنه أشراره، فقال الثعلب فى نفسه: إن تركته فلن يتركنى فى حالى وقد يقتلنى، هو معى خير من الوحدة، وقد يصلح الله حاله، والرأي السديد هو مداراة هذا الباغي ولابد له مصرع،
ولم يزل الثعلب خائفاً من الذئب مصانعاً له، حتى ذهب الثعلب يوماً الى بستان فرأى في حائطه فتحة فأنكرها وقال في نفسه: إن هذه الفتحة لا بد لها من سبب، فلماذا لم يغلقها صاحب البستان، وقد قيل: من رأى خرقاً في الأرض فلم يجتنبه ويتوق عن الإقدام عليه كان بنفسه مغروراً وللهلاك متعرضاً. وقد قيل: إن الحذر نصف الشطارة ومن الحذر أن أبحث فى هذه الفتحة بحذر فلعلها مكيدة فأقع فى الهلاك فلا يجب ان يحملني الطمع على أن ألقي بنفسي في الهلكة، ثم دنا منها وطاف بها وهو محاذر فرآها فوجد ان خلفها حفرة عظيمة قد حفرها صاحب البستان وغطاها بأغصان رفيعة ووضع فوقها القش ليخفيها فيسقط فيها من يحاول دخول البستان لسرقة الدجاج او العنب من الثعالب او الذئاب، فتأخر عنها الثعلب وقال: الحمد لله حيث حذرتها وأرجو أن يقع فيها عدوي الذئب الذي نغص عيشي، وأنشد يقول:
ليتني أبصرت فورى * في ذي البئر ذئبا
طالما قد ساء قلبي * سقاني المر غصباً
ليتني من بعد أبقـى * ويقضي الذئب نحبا
ويخلو الكون منـه * وأرى لي فيه نهبا
ثم انطلق مسرعاً حتى وصل إلى الذئب وقال: إن الله سهل لك الأمور إلى الطعام وفير وصيد سهل بلا تعب، فهنيئاً لك بتلك الغنيمة والرزق الواسع بلا مشقة، ففرح الذئب وقال للثعلب: وما الدليل على ما وصفت، قال: إني انتهيت إلى بستان فوجدت صاحبه قد مات ودخلت البستان فرأيت الأثمار زاهية على الأشجار والدجاج يصيح فى حظائره ، فلم أكل من الثمار او اقتنص من الدجاج حتى اخبرك،
فقال له الذئب: هيا بنا، وإنطلقا، فلما انتهيا الى البستان وشاهد الذئب إلى الفتحة فى الجدار، خاف الثعلب ان يقول له الذئب ادخل امام فبادره بقوله: هيا ادخل يا سيدى فلا ينبغى لى ان اتقدمك، فقد كفيت مؤونة هدم حائط البستان لعمل مدخل فيه، فأقبل الذئب وقفز الى الطاقة يريد الدخول إلى البستان فلما هبط منها توسط غطاء الحفرة فسقط به وهوا الذئب فى الحفرة، فاضطرب الثعلب اضطراباً شديداً من السرور والفرح وزوال الهم والخوف عنه، ثم اخذ يتطلع في الحفرة بحذرفرأى الذئب يبكي ندماً وحزناً على نفسه، فبكى الثعلب معه فرفع الذئب رأسه إلى الثعلب وقال له: أمن رحمتك لي بكيت يا أبا الحصين،
قال الثعلب: لا والذي قذفك في هذه الحفرة، إنما بكيت لطول عمرك الماضي وأسفاً على كونك لم تقع في هذه الحفرة قبل اليوم،
فقال الذئب: إذهب ابا الحصين الى ابى فأخبره لعله يحتال على خلاصي،
فقال الثعلب: لقد أوقعك في الهلاك ظلمك وشدة طمعك وكثرة حرصك حيث سقطت في حفرة لست منها بسالم ألم تعلم أيها الذئب الجاهل أن صاحب المثل يقول: من لم يفكر في العواقب لم يأمن المعاطب،
فقال الذئب: يا أبا الحصين إنما كنت تظهر محبتي وترغب في مودتي وتخاف من شدة قوتي فلا تحقد علي بما فعلته معك فمن قدر وعفا كان أجره على الله وقد قال الشاعر:
ازرع جميلاً ولو في غير موضعه * ما خاب قط جميل أينما زرع
إن الجميل وإن طال الـزمان به * فليس يحصده إلا الــــذي زرع
فقال الثعلب: يا أجهل السباع وأحمق الوحوش في البقاع هل نسيت تجبرك وعتوك وتكبرك وأنت لم ترع حق المعاشرة ولم تنتصح بقول الشاعر:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً * إن الظلوم على حد من النقم
تنام عـيناك والمظـلوم منتبه * يدعو عليك وعين الله لا تنم
فقال الذئب: لا تؤاخذني يا أبا الحصين بسابق الذنوب فالعفو من شيم الكرام وصنع المعروف من حسن الذخائر وما أحسن قول الشاعر:
بادر بالخير إذا كنت مقتدراً * فليس في كل حين أنت مقتدر
وما زال الذئب يتذلل للثعلب ويقول له: لعلك تقدر على شيء تخلصني به من الهلاك،
فقال له الثعلب: أيها الفظ الغليظ إني أشبهك في حسن علانيتك وقبح نيتك بالباز مع الحجل،
قال الذئب: وما حديث الباز والحجل،
قال الثعلب: دخلت يوماً بستان لآكل من عنبه فبينما أنا فيه إذ رأيت بازاً انقض على حجل فلما اقتنصه انفلت منه الحجل ودخل وكره واختفى فيه فتبعه الباز وناداه: أيها الجاهل إني رأيتك في البرية جائعاً فرحمتك، والتقطت لك حباً وأمسكتك لتأكل فهربت مني ولم أعرف لهروبك وجهاً إلا الحرمان، فاظهر وخذ ما أتيتك من الحب فكله هنيئاً مريئاً، فلما سمع الحجل قول الباز صدقه وخرج إليه فانشب مخالبه فيه ومكنها منه فقال له الحجل: أهذا الذي ذكرت انك أتيتني به من البرية وقلت لي هنيئاً مريئاً، فبكذبك علي ادعوا الله ان يجعل ما تأكله من لحمي في جوفك سماً قاتلاً، فلما أكله وقع ريشه وسقطت قوته ومات لوقته،
فأنا اخاف عليك إن اخرجتك فمكرت بى فدعوت الله ان يسقط اسنانك إستجاب لى، وانت غادر فإبقى كما انت خير لك،
فقال الذئب: كن غياثي فأنت صديقى وقد قيل: إن الصديق الشفيق خير من الأخ الشقيق وإن تسببت في نجاتي لأجمعن لك من الآدلة ما يكون لك عدة، ثم لأعلمنك من الحيل الغريبة ما تفتح به اليساتين الخصيبة وتجني الأشجار المثمرة فطب نفساً وقر عيناً،
فقال له الثعلب وهو يضحك: ما أحسن ما قالته العلماء في كثير الجهل مثلك،
قال الذئب: وما قالت العلماء،
قال الثعلب: ذكر العلماء أن غليظ الجثة غليظ الطبع يكون بعيداً من العقل قريباً من الجهل لأن قولك أيها الماكر الأحمق قد يحتمل الصديق المشقة في تخليص صديقه صحيح كما ذكرت ولكن عرفتني بجهلك وقلة عقلك كيف أصادقك مع خيانتك أتحسبني لك صديقاً وأنا لك عدو شامت، وكيف ستعلمنى حيلة وانت لا تعرف لك حيلة تتخلص بها من الهلاك فما أبعدك من المنفعة لنفسك وما ابعدني من القبول لنصيحتك فإن كان عندك حيل فتحيل لنفسك في الخلاص من هذا الأمر الذي أسأل الله أن يبعد خلاصك منه، فانظر أيها الجاهل إن كان عندك حيلة فخلص نفسك بها من القتل قبل أن تبذل التعليم لغيرك ولكنك مثل إنسان حصل له مرض فاتاه رجل مريض بمثل مرضه ليداويه فقال له: هل لك أن أداويك من مرضك، فقال له الرجل: هلا بدأت بنفسك في المداواة، فتركه وانصرف. وأنت أيها الذئب كذلك فالزم مكانك واصبر على ما اصابك،
فلما سمع الذئب كلام الثعلب علم أن لا خير له عنده فبكى على نفسه وقال: كنت في غفلة من أمري فإن خلصني الله من هذا الكرب لأتوبن من تجبري على من هو أضعف مني، ثم أخذ يبكى وينتحب،
فقال له الثعلب: تبكى وانت الذى لم يبكى يومآ،
فقال: يقولون فى المثل " ما ادخرتك يا دمعتي إلا لشدتي " وهل هناك اشد مما انا فيه،
فرق له قلب الثعلب وخاصة بعد ان سمع تضرعه واحس بصدق توبته، فأخذته الشفقة عليه وقال فى نفسه: إن الله يقبل توية التائب، فلعله يصبح صديق مخلص وعون لى، فما يفيدنى هلاكه إذا حسنت توبته، وإن مكر بى فسوف يكفينيه الله ويعاقبه بمكره، فقال له: أني سمعت ما وعدت من نفسك واعترافك بما سلف منك وتلهفك على ما فاتك من التوبة وفعل الخير وسمعت ما نذرته على نفسك من كف الأذى عن الأصحاب وغيرهم وتقربك لله تعالى إن نجاك مما أنت فيه فأخذتني الشفقة عليك مع انني كنت على حق هلاكك حريصآ. فلما سمعت منك توبتك وما نذرت على نفسك إن نجاك الله لزمني خلاصك مما أنت فيه ومع قلة ثقتي بوفائك قد ظهر لى ما في خاطرك من العزيمة على صدق توبتك فقلت في نفسي: إن كان حقاً فيما زعم فإنه يستدرك ما أفسد وإن كان مبطلاً فجزاؤه عند ربه، وها أنا ارشدك الى طريق الخلاص فإن غدرت بي كان الغدر سبباً لهلاكك،
فقال الذئب متلهفآ: ينبغي أن تثق بي فإني كنت جاهلاً بحوادث الدهر فلا تؤخر حيلة خلاصى فالأمر أضيق من أن نطيل فيه الكلام. فإني لا آمن أن أبتلي بأشد مما انا فيه فيكون ذلك عقوبة الغدر وقد قيل في الأمثال: الوفاء مليح والغدر قبيح،
فقال له الثعلب: يا قليل العقل، إجمع ما سقط فى الحفرة من القش والأغصان التى كانت تغطيها وإجعلها كومة واحدة ثم قف فوقها وإقفز فسوف تخرج من الحفرة،
وعلى الفور شرع الذئب بما اشار الثعلب ثم قفز فكان خارج الحفرة، فعانق الذئب الثعلب وعاهده على الوفاء بالتوبة،
فقال له الثعلب: عاهد الله فإنه هو الذى سوف يحاسبك، فقال الذئب: صدقت.
وحسنت صحبتهما وصدق الذئب فى توبته.

حكاية الفأرة وبنت عرس
مما يحكى أن فأرة وبنت عرس كانتا تنزلان منزلاً لبعض الناس، وكان ذلك الرجل فقيراً، وقد مرض بعد أصدقائه فوصف له الطبيب السمسم المقشور، فأعطاه لزوجته وأمرها بإصلاحه فقشرته تلك المرأة وأصلحته، فلما عاينت بنت عرس السمسم أتت إليه ولم تزل تنقل من السمسم إلى جحرها طول يومها حتى نقلت أكثره، وجاءت المرأة فرأت نقصان السمسم واضحاً فجلست ترصد من تأتي إليه حتى تعلم سبب نقصانه فنزلت بنت عرس لتنقل منها على عادتها فرأت المرأة جالسة فعلمت أنها ترصدها فقالت في نفسها: إن لهذا الفعل عواقب ذميمة وإني أخشى من تلك المرأة أن تكون لي بالمرصاد ومن لم ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب، ولا بد لي أن أعمل عملآ حسناً أظهر به براءتي من جميع ما عملته من القبيح، فجعلت تنقل من السمسم الذي في جحرها الى السمسم الذى فى الحجرة، فرأتها المرأة وهي تفعل ذلك فتعجبت، وقالت في نفسها: هى تزيد السمسم ولا تُنقصه، فما سبب نقصه أولآ، ومن اين تأتى بالسمسم، لعلها تأتي به من جحر الذي اختلسه وتضيفه الى باق السمسم، فقد أحسنت إلينا في رد السمسم وما جزاء من أحسن إلا أن يحسن إليه، ثم عادت فقالت لنفسها: ولكن يجب ان استمر فى رصد السمسم حتى يقع من سرقه واعلم من هو، فقد تكون ينت عرس هى السارقة وتحاول رد ما سرقته، وأخذت تنظر لبنت عرس فخافت بنت عرس ان يكون قد خطر ببال المرأة ما تخاف منه، فانطلق إلى الفأرة فقالت لها: يا أختي إنه لا خير فيمن لا يرعى المجاورة ولا يثبت على المودة، فقالت الفأرة: نعم يا حبيبتى وأنعم بك وبجوارك، فما عندك من الأخبار، وما استجد من الأمور، فقالت بنت عرس: إن رب البيت اتى بسمسم فأكل منه هو وعياله وشبعوا واستغنوا عن الباق منه فتركوه فأخذت منه وأخذ منه كل ذي روح، فقلت اخبرك لتأخذى نصيبك منه فأنت أحق به من غيرك، فإنخدعت الفأرة بكلامها ووقعت فى شركها وغرها الطمع في السمسم فقامت من وقتها وخرجت من بيتها، فرأت السمسم مقشوراً يلمع من البياض وغفلت عن المرأة الجالسة لترصده، فلم تتمالك الفأرة نفسها وإنكبت على السمسم وأخذت تأكل منه بنهم، وكانت المرأة قد استعدت بهراوة لقتل من يقترب من السمسم، فضربتها المرأة بتلك الهراوة فشجت رأسها ولكن الفأرة لم تمت، فأخبرت المرأة عما دار بينها وبين بنت عرس وكيف ان بنت عرس قد مكرت بها وكادت لها، ثم دلتها على جحر بنت عرس، فوضعت المراة المصبدة عند باب جحر بنت عرس، وما إن خرجت بنت عرس من جحرها حتى وقعت فى المصيدة، فقدمتها المرأة الى القطط فكانت لهم وجبة شهية، وقد كانت آمنة فى جحرها حتى دفعها طمعها وخيانتها للجوار الى الهلاك،

نصيحة حمار حمار
يُحكى انه كان لمسعود حمار وثور، أما الحمار فيركبه فى ذهابه الى الحقل وعودته، ويحمل عليه ثمار حقله ليبيعها بالسوق، ولا يكلفه فوق ذلك، أما ثور فكان يقوم بالأعمال الشاقة، فهو يحرث الأرض ويدير الساقية لتسقى الزرع، وكان لكل من الحمار والثور مرقد خاص به فى فناء الدار، فأتى الثور يوماً إلى مرقد الحمار لزيارته، فوجد مرقده مكنوساً مرشوشاً وفي معلفه شعير مغربل وتبن مغربل والحمار راقد مستريح، فنظر الثور الى حال الحمار وحاله، فخار الثور، ثم قال للحمار: هنيئاً لك ما انت فيه، فأنا تعبان وأنت مستريح، تأكل الشعير مغربلاً وانا اكله على حاله، ولا تتكلف من العمل نصف ما اتكلفه، فأنا دائماً للحرث والرى. وانت في بعض الأوقات يركبك صاحبنا ويرجع وهو رجل نحيل خفيف الجسم، فلا تكاد تشعر به على ظهرك،
فنهق الحمار وقال له: قد كنت اقوم بعملك قبل ان يشتريك صاحبنا، ولكنى فكرت ودبرت حتى تخلصت من ذلك،
فقال الثور: وكيف اتخلص مما انا فيه واصير مثلك.
فقال الحمار: إذا خرجت إلى الحقل ووضعوا على رقبتك الناف فارقد ولا تقم ولو ضربوك فإن قمت فارقد ثانياً، فإذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تأكله كأنك ضعيف وامتنع عن الأكل والشرب يوماً أو يومين أو ثلاثة فإنك تستريح من التعب والجهد، ويضعوا لك الفول مغربلآ لكى تأكل ولا تموت،
فإستحسن الثور الفكرة وشكر الحمار وعاد الى مرقده، فلما جاء مسعود إلى الثور بعلفه، أكل الثور من العلف شيئاً يسيراً، فركب مسعود الحمار وأخذ الثور يسير خلفه متظاهرآ بالضعف، فلما وصلوا الى الحقل أخذ الثور بنصيحة الحمار فلم يحرث ولم يسقى، حتى عاد به مسعود فى اخر اليوم مهمومآ،ً فقالت له زوجته: إذا كان الثور قد ضعف فإتركه ليسترد قوته وإجعل الحمار يعمل مكان الثور كما كان من قبل حتى يتعافى الثور،
فأخذ مسعود بنصيحة زوجته،
فلما رجع الحمار آخر النهار وقد بلغ منه الجهد مبلغآ شديدآ فألقى بنفسه على الأرض واخذ يتمرغ، ويقول لنفسه: يالك من حمار حمار، نجيت غيرك، وأهلكت نفسك،
فلما كان الغد جاء مسعود وأخذ الحمار فحرث الأرض إلى آخر النهار فلم يرجع إلا مسلوخ الرقبة، شديد الضعف، فتلقاه الثور وأخذ يشكره على خالص نصيحته وفضله، فقال له الحمار: تعلم أني لك ناصح،
فقال الثور: نعم، وانا شاكر لك نصيحتك،
فقال الحمار: فإنى قد سمعت صاحبنا يقول لزوجته: إن لم يقم الثور من موضعه فأعطوه للجزار ليذبحه قبل ان يموت، وأنا خائف عليك، وقد نصحتك.
فلما سمع الثور كلام الحمار شكره وقال: في الغد أسرح معكما، فأكل الثور علفه بتمامه، فلما طلع النهار وجاء مسعود، نظر الى الثور وقال: قد تحسنت اليوم، فركب الحمار وسحب الثور خلفه، فلما وصلوا الى الحقل، أخذ الثور يحرث الأرض والحمار يبرطع من سعادته ويهز ذنبه ويقول فى نفسه : قد كنت حمارآ حمار، لم يفكر فى النصيحة قبل ان ينصح،

حكاية القنفذ والورشان
يحكى أن قنفذاً قد إتخذ مسكناً بجانب نخلة وكان الورشان قد اتخذا عشا في النخلة وعاش فوقها عيشة رغيدة، يأكل من بلحها ويقذف بالنواة فتقع على الأرض فلا يجد القنفذ إمامه من سبيل إلا ان يأكلها، فقال القنفذ في نفسه: لو إن الورشان ارسل لى ببعض البلح اتقوت به لكان أفضل، ولكن كيف السبيل الى ذلك، فحفر القنفذ في أسفل النخلة بيتاً واتخذه سكناً له ثم دعا الورشان لزيارته فى بيته الجديد، فقبل الورشان الدعوة ونزل لزيارة القنفذ، فقدم له القنفذ نوى البلح الذى جمعه مما يسقطه الورشان على الأرض، فتعجب الورشان وقال له: اليس عندك طعام تقدمه لضيفك غير هذا،
فقال له القنفذ: والذى خلق الخلق ورزق النملة فى جوف الصخرة، ما لى من زاد غير هذا النوى،
فقال الورشان: ولماذا تجلس تنتظر سقوط رزقك ولا تسعى لجلبه، فيزيد طعامك ويتنوع وتفوز بأجر السعى فى طلب الرزق، فإنه من الجهاد السعى فى طلب الرزق،
فقال القنفذ: انا مريض ولا أقدر على السعى،
فقال له الورشان: لا تتمارض فيمرضك الله،
فقال القنفذ: انظر لحالى وضعف جسمى وإنكسار شوكى، وكان القنفذ قد ضعف جسمه من كسله وتقاعده عن السعى فى طلب الرزق،
فرق له قلب الورشان وقال له: كم سنة وأنت هكذا،
فقال: من ثلاثين سنة وانا على هذا الحال،
فقال له الورشان مندهشآ: ثلاثون سنة وطعامك ما اسقطه من نوى البلح،
فقال: ثلاثون سنة وطعامى ما يسقط من نوى البلح ولباسى الشوك أنتفع بخشونته ويحمينى من الأعداء،
فقال الورشان: انا لم اسكن النخلة إلا من خمس سنين،
فقال له: انا هنا منذ سكنها جدك،
فتعجب الورشان من أمر القنفذ، ولكنه ظن به الخير، فكان ينثر عليه من بلح النخلة ما يكفى مؤونتة، فكان القنفذ يجمع ما ينثره عليه الورشان من البلح فيدخره ولا يأكل منه إلا القليل ثم يكمل طعامه من نوى البلح الذى يسقطه الورشان، وإستمر الحال على ذلك حتى لم يبقى على النخلة شىء من البلح، فنزل الورشان الى القنفذ يستودعه للرحيل للبحث عن الطعام حتى تعود النخلة الى طرح بلحها من جديد فيعود اليها مرة اخرى، وكان القنفذ قد ملأ مسكنه بما ادخره من البلح، حتى بلغ ماعنده ما يكفيه لزاد عام من الطعام، فقال القنفذ للورشان: لا ترحل ياصديقى وسوف نتقاسم ما إدخرته من البلح فقد يبارك الله لنا فيه فيكفينا حتى تعود النخلة لطرح بلحها، فكفاف العيش مع بقاء صديقى خير لى من رغد العيش مع فقدان صديقى،
فقال له الورشان: اعلم يا صديقى اننى كنت اسقط عليك من البلح فوق ما يكفى لطعامك، وأعلم انك تدخره، حتى ذهب ما على النخلة من بلحها قبل موعده، لأعلم هل انت صديق رغد ام صديق شدة، والحمد لله انك كنت عند حسن ظنى بك،
فقال القنفذ: قد تعلمت من حكاية قد حكاها لى ابوك قبل ان يأكله النسر،
فقال الورشان وقد فاضت عيناه بالدمع عنما ذكره القنفذ بأبيه: وما هى،
فقال القنفذ: قال لى ابوك: بلغني أن تاجرآ من مدينة يقال لها سنده كان ذا مال واسع لا يتاجر إلا فى الجواهر والثمين من الثياب، فشد جملاً وجهزه لحمل بضاعته واخر ليركبه، ثم خرج فى رحلة للتجارة إلى بلاد اصفهان، فتبعه رجلان من اللصوص المكرة وحملا شيئا من مال ومتاع وأظهرا للتاجر أنهما من التجار، فإنخدع فيهما ورحب بصحبتهما له لوحشة الطريق، فسارا معه وقد اتفقا على المكر به وأخذ ما معه من المال والتجارة على الرغم من ان التاجر قد أحسن اليهما، فلما نزلوا أول منزل انقضا على التاجر فقيداه فى جزع نخلة ثم إنطلقا بالجمل الذى عليه التجارة، وفى الطريق اراد احدهما ان يتخلص من الأخر لينفرد بالمال كله وحده، فوضع السم فى الطعام ولما جاسا لتناول الطعام تظاهر بأنه يريد ان يقضى حاجته فإنطلق وتوارى حتى ينتهى صاحبه من الأكل، وبينما هو كذلك لدغه عقرب فقتله على الفور، وجلس صاحبه ليأكل من الطعام فقتله السم الذى فى الطعام،
أما التاجر فقد تخلص من قيده بعد ان أخذ الجمل يمضغ القيد حتى قطعه فتابع طريقه فوجد الجمل الذى عليه تجارته قد برك فى مكانه عند مقتل الرجلين فساقه وإنطلق فى طربق تجارته وهو يتلو قول الله تعالى (ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين)، وهذا يا صديقى ما كان من أمرهما
فقال الورشان: يا لها حكاية غريبة، وصدق الله العظيم

حكاية العصفور والطاوس
يُحكى أن جماعة من الطير اجتمعوا فوق جبل عال من الجبال فقال بعضهم لبعض: إنا قد كثرنا وكثر الاختلاف بيننا، ولا بد لنا ان نبحث عن من ينظر في أمورنا فتجتمع به كلمتنا ويزول على يديه إختلافنا، فمر بهم ذلك عصفور كان يأتي كل يوم لزيارة الطاوس ليتعلم منه الحكمة وتدبير الأمور، فأشار عليهم العصفور بتمليك الطاووس عليهم لحكمته وامانته وحسن تدبيره للأمور، فأخذوا بنصيحته واختاروا الطاووس وجعلوه عليهم ملكاً فأحسن إليهم وجعل ذلك العصفور كاتبه ووزيره لما تعلمه منه من الحكمة وتدبير الأمور،
فكان الطاوس تارة يترك العصفور ينظر في بعض الأمور،
وحدث إن غاب العصفور يوماً عن مجلس الطاووس، فأصاب الطاوس قلقاً عظيماً، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه العصفور فقال له الطاوس: ما الذي أخرك عن مجلس الحكم،
فقال العصفور: رأيت أمراً واشتبه علي فتخوفت منه،
فقال الطاووس: وما الذي رأيت،
قال العصفور: رأيت رجلاً معه شبكة قد نصبها عند وكري وثبت أوتادها وبذر في وسطها حباً وقعد بعيداً عنها فجلس انظر ما يفعل فبينما أنا كذلك إذا بكركين قد ساقهما القضاء والقدر حتى سقطا في وسط الشبكة، فصارا يصرخان فقام الصياد وأخذهما فأزعجني ذلك وهذا سبب غيابي عنك يا ملك الزمان وما بقيت أسكن هذا الوكر حذراً من الشبكة،
فقال له الطاووس: لا ترحل من مكانك لأنه لا ينفع الحذر من القدر،
فامتثل العصفور أمر الطاوس، وقال: سأصبر ولا أرحل طاعة للملك،
ولم يزل العصفور محاذراً على نفسه، وبينما هو في بعض الأيام شاخصاً إذا بعصفورين يقتتلان في الأرض فقال في نفسه: كيف أكون وزير الملك وأرى العصافير تقتتل في جواريوانا جالس انظر اليهما، والله لأصلحن بينهما، ثم ذهب إليهما ليصلح بينهما فقلب الصياد الشبكة على الجميع فوقع العصفور في وسطها فقام إليه الصياد وأخذه ودفعه إلى صاحبه وقال: استوثق به فإنه سمين لم أر أحسن منه،
فقال العصفور في نفسه قد وقعت فيما كنت أخاف، وما نفعني الحذر من القدر، وصدق الشاعر إذ قال:
ما لا يكـون فلا يكـون بحيـلة * أبداً وما هو كائن ســيكون
سيكون ما هو كائن في وقته * وأخو الجهالة دائماً مغبون


الحكايات بقلم مديرة منتدى توتة وحدوتة