المقالة الأولى [ الفصل الرابع ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1644
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الأولى [ الفصل الرابع ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأحد 10 يوليو 2016 - 11:26


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الأولى
كيفية الإبصار بالجملة

● [ الفصل الرابع ] ●
فيما يعرض بين البصر والضوء

نجد البصر إذا نظر إلى الأضواء القوية التي في غاية القوة تألم بها واستضر. فإن الناظر إذا نظر إلى جرم الشمس لم يستطع النظر إليها فإن لمحها تألم بصره بضوئها واستضر به. وكذلك إذا نظر إلى مرآة صقيلة قد أشرق عليها ضوء الشمس، وكان بصره في الموضع الذي إليه ينعكس الضوء عن تلك المرآة ، فإنه يتأذى بالضوء المنعكس الذي يصل إلى بصره عن المرآة ولا يستطيع أن يفتح بصره ويباشر ذلك الضوء.
ونجد أيضاً الناظر إذا نظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء الشمس، وأطال النظر إليه، ثم صرف بصره عنه إلى موضع مغدر ضعيف الضوء، فإنه لا يكاد يدرك ما في ذلك الموضع من المبصرات إدراكاً صحيحاً ويجد كأن بينه وبينها ستراً. ثم ينجلي ذلك عن تدريج ويعود البصر إلى حاله. وكذلك إذا نظر الناظر إلى نار قوية وحدق إليها، وأطال النظر زماناً، ثم صرف بصره إلى موضع مغدر ضعيف الضوء، فإنه يجد أيضاً في بصره مثل ذلك.
وأيضاً فإننا نجد الناظر إذا نظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء النهار، وكان الضوء الذي عليه قوياً وإن لم يكن ضوء الشمس، وأطال النظر إليه زماناً، ثم صرف بصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد صورة ذلك الضوء في ذلك الموضع المظلم، ويجد مع ذلك شكله. ثم إن أطبق بصره وتأمل ساعة فإنه يجد في بصره صورة ذلك الضوء وشكله. ثم ينجلي ذلك ويعود البصر إلى حاله. وكذلك يكون حال البصر إذا نظر إلى جسم قد أشرق عليه ضوء الشمس وأطال النظر إليه.
وكذلك إن نظر الناظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء النار، وكان ضوء النار قوياً، وأطال النظر إليه، ثم انصرف إلى موضع مظلم،فإنه يجد أيضاً في بصره مثل ذلك. وكذلك إذا كان الناظر في بين وكان في البيت ثقب واسع منكشف للسماء، ونظر إلى السماء من ذلك الثقب في ضوء النهار، وأطال النظر، ثم عطف ببصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد صورة الضوء الذي كان يدركه من الثقب مع شكل الثقب في الموضع . وإن أطبق بصره وجد أيضاً فيه تلك الصورة.
فتدل جميع هذه الأحوال على أن الضوء يؤثر في البصر أثراً ما.
وأيضاً فإننا نجد الناظر إذا نظر إلى روضة خضراء متكاثفة وقد أشرق عليها ضوء الشمس، وأطال النظر إليها، ثم صرف بصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد في الموضع المظلم صورة ذلك الضوء ومتلوناً بخضرة الزرع. ثم إن نظر في هذه الحال إلى مبصرات بيض، وكانت تلك المبصرات في الظل وفي موضع ضعيف الضوء، فإنه يجد ألوانها ملتبسة بلون الخضرة. فإن أطبق بصره أيضاً في هذه الحال وتأمل فإنه يجد في بصره صورة الضوء وصورة الخضرة ثم ينحل ذلك ويزول. وكذلك إذا نظر إلى جسم متلون بلون أرجواني أو لازوردي أو لون من الألوان المشرقة القوية وقد أشرق عليه ضوء الشمس وأطال النظر إليه ثم عطف ببصره إلى مبصرات بيض في موضع ضعيف الضوء وجد ألوانها ملتبسة بذلك اللون.
فتبين من هذا الاعتبار أن الألوان المضيئة تؤثر أيضاً في البصر.
وأيضاً فإننا نرى الكواكب في ضوء النهار، وليس الفرق بين الوقتين إلا أن الهواء المتوسط بين أبصارنا وبين السماء مضيء بالنهار وهو بالليل مظلم، فما دام الهواء مظلماً فنحن نرى الكواكب، فإذا أضاء الهواء المتوسط بين أبصارنا وبين الكواكب بضوء النهار خفيت عنا الكواكب.وكذلك إذا كان الناظر في الليل في موضع مضيء بضوء النار وكان ضوء النار منبسطاً على الأرض، وكان في الموضع مبصرات لطيفة أو مبصرات فيها معان لطيفة، وكانت في ظل من الأظلال، ولم يكن الضوء الذي عليها قوياً، ولم تكن النار متوسطة بين البصر وبين تلك المبصرات، وكان الناظر يدرك تلك المبصرات ويدرك المعاني اللطيفة التي فيها، ثم تحرك الناظر من موضعه حتى تصير النار متوسطة بين بصره وبين تلك المبصرات، فإن تلك المبصرات تخفى عنه إن كانت لطيفة، أو تخفى المعاني اللطيفة التي تكون فيها ولا يكاد يدركها ما دامت النار متوسطة بين بصره وبينها. وإن ستر النار عن بصره أدرك في الحال تلك المبصرات اللطيفة التي كانت تخفى عنه. وإن رفع الساتر الذي بين النار وبين بصره خفيت تلك المبصرات عنه.
فتدل هذه الأحوال على أن الأضواء القوية إذا أشرقت على البصر أو على الهواء المتوسط بين البصر والمبصر فإنها تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات التي أضواؤها ضعيفة.
وأيضاً فإنه إذا نظر الناظر إلى جسم صقيل، وكان في الجسم نقوش دقيقة، ولم تكن النقوش مخالفة اللون للون الجسم بل كانت النقوش بل كانت النقوش من لون ذلك الجسم، وكان الناظر في مكان معتدل الضوء، وكان ذلك المكان مقابلاً للسماء أو لبعض الجدران المضيئة بضوء قوي، ثم قابل بذلك الجسم السماء أو الجدار المضيء، فإنه ينعكس منه ضوء ما إلى البصر ويجد الضوء الذي يظهر في سطح الجسم وفي الموضع الذي ينعكس منه الضوء قد قوي وأشرق وفي هذه الحال إذا تأمل الناظر إلى الجسم الصقيل لم يظهر له فيه شيء من النقوش التي في موضع الضوء القوي المشرق من ذلك الجسم.ثم إن ميل الناظر الجسم عن ذلك الموضع حتى يصير الانعكاس إلى موضع غير الموضع الذي فيه بصره، ويكون مع ذلك على الجسم ضوء معتدل، فإن الناظر حينئذ يدرك النقوش التي فيه كانت تخفى عنه عند انعكاس الضوء عن الجسم إلى بصره.
وكذلك الخط الدقيق الذي في الورق الصقيل إذا انعكس الضوء عن الورق إلى البصر ذلك الخط ولم يفهمه ما دام الضوء منعكساً عنه إلى البصر. فإذا ميل سطح الورق حتى يتغير وضعه، فلا ينعكس الضوء عنه إلى البصر، أدرك البصر ذلك الخط وفهمه.
وأيضاً فإن النار الضعيفة إذا كانت في ضوء ضعيف ظهرت وأدركها البصر، وإذا كانت في ضوء الشمس ظهر الجسم الذي فيه النار ولم تظهر النار.وإن كان في تلك النار دخان ظهر الدخان ولم تظهر النار.
وأيضاً فإنه إن حصل في ضوء الشمس جسم كثيف متلون بلون مشرق قوي، وقرب من ذلك الجسم جسم أبيض نقي البياض، وكان هذا الجسم في الظل وفي ضوء ضعيف، ظهر عليه لون ذلك الجسم كما وصفنا من قبل. ثم إن قرب الجسم الأبيض حتى يصير في ضوء الشمس أو يقوى الضوء الذي عليه، خفي ذلك اللون الذي عليه. وإن رد إلى الظل وإلى الضوء الضعيف ظهر اللون عليه. وعند كونه في الضوء القوي أيضاً وخفاء اللون الذي عليه: إن ظلل الجسم بجسم كثيف وهو في مكانه حتى يضعف الضوء الذي عليه ظهر اللون عليه، وإن رفع الجسم المظل حتى يقوى الضوء على الجسم الأبيض خفي اللون الذي عليه.
وكذلك إذا قربنا جسماً مشفاً متلوناً لون بشرق إلى نار قوية وقربنا إلى ظل ذلك الجسم ثوباً أبيض، ظهر لون ذلك الجسم المشف على ذلك الثوب كما وصفنا من قبل. ثم قربنا إلى ذلك الثوب ناراً غير تلك النار حتى يشرق ضوؤها على ذلك الثوب خفي ذلك اللون الذي كان يظهر على الثوب فلم ير إلا بياض الثوب فقط. وإذا غيبنا تلك النار الثانية ظهر اللون على الثوب.
وأيضاً فإن بعض الحيوانات البحرية قد يكون لها أصداف وأغشية إذا حصلت في موضع مظلم لا ضوء فيه ظهرت تلك الأصداف كأنها نار، وإذا نظر إليها ناظر في ضوء النهار أو في ضوء النار أدرك تلك الأصداف ولم ير فيها شيئاً من النار وكذلك الحيوان المسمى اليراع إذا طار في الليل ظهر كأنه نار تخطف، وإذا نظر إليه ناظر في ضوء النهار أو في ضوء النار أدرك الحيوان ولم ير فيه ناراً.
فتدل هذه الأحوال كلها التي شرحناها على أن الأضواء القوية التي تكون المبصرات قد تخفي بعض المعاني التي في بعض المبصرات، وأن الأضواء الضعيفة التي تكون في المبصرات قد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات.
وأيضاً فإن المبصرات التي فيها نقو دقيقة أو وشوم أو معان لطيفة قد كثير من المعاني التي فيها إذا كانت في الأضواء الضعيفة وفي المواضع المغدرة، وإذا أبرزت إلى المواضع المضيئة وقوي الضوء الذي عليها أو جعلت في ضوء الشمس ظهرت المعاني التي تكون فيها التي كانت تخفى في المواضع المغدرة وفي الأضواء الضعيفة وكذلك الخط الدقيق قد يعجز البصر عن إدراكه في المواضع المغدرة وفي الأضواء الضعيفة، وإذا أبرز إلى الأضواء القوية أدركه البصر.
فتدل هذه الحال على أن الأضواء القوية قد تظهر كثيراً من المعاني التي في المبصرات، وأن الأضواء الضعيفة قد تخفي كثيراً من المعاني التي في المبصرات.
وأيضاً فإننا نجد الأجسام الكثيفة المتلونة بألوان مشرقة كالأرجوانية واللازوردية والخمرية والفرفيرية، إذا كانت في مواضع مغدرة وفي أضواء ضعيفة ظهرت ألوانها كدرة ، وإذا كانت في ضوء قوي ظهرت ألوانها مشرقة صافية، وكلما ازداد الضوء الذي عليها قوة ازدادت ألوانها إشراقاً وصفاءً. وإذا كان واحد من الأجسام في مكان مظلم، وليس فيه إلا ضوء يسير جداً، فإن ذلك الجسم يظهر مظلماً ولا يتيقن البصر لونه ويظن به انه أسود. فإذا اخرج إلى المواضع المضيئة وقوي الضوء الذي عليه ظهر لونه وتميز للبصر.
ونجد أيضاً الأجسام البيض الكثيفة إذا أشرق عليها ضوء قوي ازدادت بياضا ًوإشراقاً عند الحس، ونجد الأجسام الكدرة الألوان إذا أشرقت عليها الأضواء القوية صفت ألوانها وأسفرت.
وأيضاً فإننا نجد الأجسام المشفة المتلونة بألوان قوية، كالأشربة القوية الحمرة التي في الأواني المشفة، إذا كانت في مواضع مغدرة وفي أضواء ضعيفة فإنها تظهر سوداً مظلمة وكأنها غير مشفة وإن استشقت، وإذا كانت في الأضواء القوية أو أشرق عليها ضوء الشمس صفت ألوانها وأشرقت وظهر شفيفها.
وكذلك الجواهر المشفة المتلونة المشبعة الألوان إذا كانت في المواضع المغدرة ظهرت ألوانها كدرة، وإذا أشرق عليها ضوء قوي أو قوبل بها الضوء حتى ينفذ الضوء فيها صفت ألوانها وأشرقت وظهر شفيفها.
وأيضاً فإن الأجسام المشفة المتلونة إذا قوبل بها الضوء وقوبلت من الجهة المضادة لجهة الضوء بجسم أبيض، كما ذكرنا من قبل، فإنه إن كان الضوء قوياً ظهرت صورة ذلك اللون في ظله على الجسم الأبيض المقابل له، وإن كان الضوء الذي يشرق عليه ضعيفاً ظهر على الجسم الأبيض المقابل له ظل ولم يظهر اللون.
وأيضاً فإننا نجد أرياش الطواويس والثوب المسمى أبا قلمون تختلف ألوانها عند البصر في الأوقات المختلفة من النهار بحسب اختلاف الأضواء التي تشرق عليها.
فتدل هذه الأحوال التي تظهر في الألوان على أن الأجسام المتلونة إنما يدرك البصر ألوانها بحسب الأضواء المشرقة عليها.
فإذا كانت الأضواء القوية التي في المبصرات وقد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات،وكانت الأضواء الضعيفة التي تكون المبصرات قد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات وقد تخفي بعض المعاني التي في بعض المبصرات، وكانت الأجسام المتلونة قد تتغير ألوانها بحسب اختلاف الأضواء التي تشرق عليها، وكانت الأضواء القوية المشرقة على البصر قد تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات، وكان البصر مع جميع ذلك ليس يدرك شيئاً من المبصرات إلا إذا كان مضيئاً، فإن الصورة إذن التي يدركها البصر من المبصر إنما تكون بحسب الضوء الذي في المبصر وبحسب الأضواء التي تشرق على البصر في حال إدراكه لذلك المبصر وعلى الهواء المتوسط بين البصر والمبصر.
فأما لم الأضواء القوية تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات فإننا نشرح علة ذلك عند كلامنا في كيفية الإبصار.


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 22 سبتمبر 2017 - 20:56