المقالة الأولى [ ما تبقى من الفصل السادس ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1683
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الأولى [ ما تبقى من الفصل السادس ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين 11 يوليو 2016 - 8:46


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الأولى
كيفية الإبصار بالجملة

● [ ما تبقى من الفصل السادس ] ●
كيفية الإبصار

فقد تبين مما ذكرناه أن البصر ليس ينصبغ بالألوان وصور الأضواء انصباغاً ثابتاً ولا تبقي آثارها فيه بل تؤثر فيه آثاراً غير باقية، والهواء والأجسام المشفة والطبقات المتقدمة للجليدية من طبقات البصر ليس تنصبغ بالألوان ولا بصور الأضواء ولا تتأثر بها، وإنما تؤدي هذه الصور فقط. وقد تبين أن صور الأضواء والألوان ليس تمتزج في الهواء والأجسام المشفة ولا تختلط بل تكون كل صورة منها متميزة بسموتها. فصور جميع الأضواء والألوان التي تحضر في وقت واحد تمتد في الهواء النتصل بها وفي جميع الأجسام المشفة المقابلة لها على جميع السموت المستقيمة التي يصح أن تتوهم ممتدة من تلك الأضواء والألوان في ذلك الهواء وفي تلك الأجسام المشفة، وكل واحدة منها متميزة بالسموت التي تمتد عليها وغير ممتزجة ولا مختلطة، وتكون هذه الصور أبداً في الهواء وفي جميع ما يتصل بها ويقابلها من الأجسام المشفة، ولكونها في جميع الهواء يدرك المبصر الواحد في الوقت الواحد جماعة من الأبصار من المواضع المختلفة من الهواء كل واحد من الأبصار يدركه من الجزء من الهواء الذي يحوزه المخروط المتشكل بين ذلك المبصر وبين مركز البصر، ولكون هذه الصورة أبداً في الهواء يدرك البصر كلما فتح أجفانه كلما قابله في الوقت الواحد من المبصرات، وكلما اجتاز في موضع من المواضع أدرك كلما في ذلك الموضع من المبصرات المقابلة له.
فأما لم ليس تظهر صور جميع الألوان على جميع الأقسام المقابلة لها ويظهر بعضها وليس يظهر البعض إلا إذا كان اللون قوياً، وكان الضوء الذي في اللون قوياً، وكان الضوء الذي في الجسم الذي تظهر عليه صورة اللون ضعيفاً، وكان لون ذلك الجسم مسفراً، مع امتداد جميع هذه الصور في الهواء وإشراقها أبداً على الجهات المقابلة لها، فإن ذلك لشيء يرجع إلى البصر لا أن هذه الصور ليس تشرق على الأجسام المقابلة لها، بل كل جسم متلون مضيء بأي ضوء كان فإن صورة ضوئه ولونه تشرقان أبداً على جميع الأجسام المقابلة له التي ليست أبعادها متفاوتة. أما الأضواء فأمرها ظاهر، لأنه إذا اعتبر كل جسم مضيء بأي ضوء كان بعد ان يكون الضوء الذي فيه ليس في غاية الضعف، واعتبر على الوجوه التي قدمناها بأن يقابل به مكان مظلم، ويحصل في المكان المظلم جسم أبيض، ويكون المنفذ الذي بين المكان المظلم وبين الجسم المضيء من ثقب أو من موضع ضيق، فإن الضوء يظهر على ذلك الجسم. وأما الألوان فإنه ليس يظهر منها إلا ما كان على صفة مخصوصة، وليس يظهر ما كان على خلاف الصفة. وذلك انه قد تبين بالاستقراء أن صور الألوان تكون أبداً أضعف من الألوان أنفسها، وكلما بعدت الصور عن مبدئها ازدادت ضعفاً. وكذلك صور الأضواء تكون أضعف من الأضواء أنفسها، وكلما بعدت ازدادت ضعفاً.
وقد تبين أيضاً بالاستقراء أن الألوان القوية إذا كانت في مواضع مظلمة، وكانت الأضواء التي عليها يسيرة جداً، فإن تلك الألوان تظهر مظلمة ولا تتميز للبصر. وإذا كانت في مواضع مضيئة وكانت الأضواء التي عليها قوية ظهرت الألوان وتميزت للبصر. وكذلك الأجسام المشفة المتلونة إذا أشرق عليها الضوء فإنه إذا كان الضوء قوياً ظهرت ألوانها من ورائها على الأجسام المقابلة لها، وإذا كان ذلك الضوء ضعيفاً ظهر من ورائها الظلال فقط، ولم تظهر الألوان، ولم تتميز كملا لم تتميز للبصر الألوان في المواضع المغدرة الضعيفة الضوء.
وقد تبين أيضاً بالاستقراء أن صور الألوان التي تظهر على الأجسام المقابلة لها إذا أشرق عليها ضوء قوي خفيت عن البصر، وإنما تظهر إذا كان الضوء الذي عليها ضعيفاً.
وقد تبين أيضاً أن الأضواء القوية إذا وصلت إلى البصر عاقته عن إدراك المبصرات الخفية التي تقابله في تلك الحال.
وقد تبين أن البصر إنما يدرك اللون من الصورة التي ترد إليه من ذلك اللون، وأن إدراكه يكون على سموت مخصوصة. فإذا نظر الناظر إلى الجسم من الأجسام الكثيفة التي قد أشرق عليها صورة لون من الألوان فإنه إنما يدرك تلك الصورة من صورة ثانية ترد إليه من تلك الصورة، وتكون هذه الصورة الثانية أضعف من الصورة الأولى التي على ذلك الجسم. والصورة الأولى أضعف من اللون نفسه. فالصورة الثانية التي ترد إلى البصر من الصورة الأولى تكون أضعف من اللون نفسه بكثير. وليس يدرك البصر الجسم الكثيف الذي تظهر عليه الصورة إلا إذا كان فيه ضوء ما أم الضوء الذي يرد مع صورة اللون المشرقة عليه أو ذلك الضوء وغيره من الأضواء. فالصورة الثانية التي ترد إلى البصر من صورة اللون الأولى ترد إليه مع صورة الضوء الذي في ذلك الجسم الكثيف. وذلك الجسم الكثيف الذي عليه الصورة هو مع ذلك مضيء يدرك البصر لونه أيضاً في تلك الحال. فصورة لونه أيضاً ترد إلى البصر مع الصورة الثانية التي ترد إليه من صورة اللون الذي عليه. وصورة لون هذا الجسم التي ترد إلى البصر في تلك الحال هي صورة أولى، والبصر إنما يدرك ما يدركه من سمت مخصوص، والسمت المخصوص الذي بينه وبين الجسم الكثيف الذي منه يدرك صورة لون ذلك الجسم الكثيف منه بعينه يدرك الصورة الثانية التي ترد من صورة من صورة اللون المشرق على ذلك الجسم الكثيف لأن تلك الصورة هي في أسطح ذلك الجسم، فالبصر يدركها من السموت التي بينه وبين ذلك السطح. وهو يدرك لون ذلك الجسم من السموت التي بينه وبين ذلك السطح بعينها، وكذلك الضوء الذي في ذلك الجسم يدركه البصر من تلك السموت بعينها. فالصور الثلثة التي ترد إلى البصر من ذلك الجسم يدركها البصر من سمت واحد بعينه.
وإذا كانت الصور الثلثة يدركها البصر من سمت واحد بعينه فهو يدركها ممتزجة. والصورة الثانية التي ترد إلى البصر من صورة اللون التي على الجسم المقابل له يدركها البصر ممتزجة بصورة لون ذلك الجسم وصورة ضوئه. فهو يدرك من مجموع اللونين صورة غير صورة كل واحد منهما. فإن كان الجسم الكثيف الذي عليه الصورة ذا لون قوي كانت صورته التي ترد إلى البصر قوية، وهي صورة أولى، وهي صورة ممتزجة بالصورة الثانية التي ترد إليه من صورة اللون المشرق على ذلك الجسم، وهذه الصورة ضعيفة، فليس تظهر هذه الصورة للبصر لأنه إذا مازج لون ضعيف للون قوي استظهر اللون القوي على الضعيف وخفي اللون الضعيف عن الحس كذلك توجد أبداً الألوان والأصباغ إذا امتزج بعضها ببعض. فالأجسام المتلونة القوية الألوان ليس تظهر صور الألوان المشرقة عليها لامتزاج هذه الصور بألوانها عند البصر واستظهار ألوانها على ألوان الصور المشرقة عليها. وإن كان الجسم الذي عليه الصورة أبيض أو مسفر اللون، وكان الضوء الذي عليه قوياً، فالصورة التي تشرق عليه تخفى لقوة الضوء الذي عليها كما تبين ذلك بالاستقراء مع كونها على ذلك الجسم. وإنما تخفى صورة اللون إذا كان الضوء الذي عليها قوياً، لأن صورتها الثانية ترد إلى البصر مع صورة الضوء القوي ومع بياض الجسم الذي هي عليه.
وقد تبين أن الضوء القوي إذا وصل إلى البصر فإنه يعوق البصر عن إدراك الصور الضعيفة. فإذا وصل إلى البصر ضوء قوي مع بياض الجسم الذي هو عليه فإنه يعوقه عن إدراك الصورة الثانية الضعيفة التي ترد إليه معها. وإذا كان الجسم الذي عليه صورة اللون أبيض، وكان الضوء الذي عليه ضعيفاً، وكانت صورة اللون التي عليه أيضاً ضعيفة وكانت الصورة في غاية الضعف، فإن صورة الضوء الذي في ذلك الجسم وإن كانت ضعيفة مع بياض ذلك الجسم ربما كانت مستظهرة على صورة اللون التي في غاية الضعف، فإذا وصلا إلى البصر لم تتميز تلك الصورة للبصر. وإن كان الجسم الذي عليه الصورة أبيض، وكان اللون الذي تشرق صورته عليه أسود أو مظلماً، فإنما تكسف تلك الصورة بياض ذلك الجسم فقط وتنقص منه وتكون كالظل، ويدرك البصر من ذلك الجسم بياضاً ليس في الغاية كما يدرك الجسم الأبيض في الظل، فلا تتميز له الصورة.
وجميع ذلك كذلك إذا كان الضوء الذي في الجسم المتلون قوياً وكانت الصورة التي تشرق منه على الجسم المقابل له مسفرة. فأما إذا كان الضوء الذي في الجسم المتلون ضعيفاً فإن الصورة التي تكون منه على الجسم المقابل له تكون مظلمة، فتكون عند البصر كالألوان التي يدركها في المواضع المظلمة التي الضوء فيها ضعيف جداً، وكألوان الأجسام المشفة التي تشرق عليها أضواء ضعيفة فتظهر أظلال تلك الأجسام من ورائعا ولا تظهر صور ألوان تلك الأجسام في تلك الأظلال. فصور الألوان التي في الأجسام المتلونة إذا كانت الأضواء التي عليها ضعيفة إذا أشرقت على الأجسام المقابلة إنما تكون أظلالاً فقط بالإضافة إلى إحساس البصر فلا تتميز ألوانها عند البصر. فإن كان الجسم المقابل للون الذي بهذه الصفة في مكان مظلم فليس يظهر عليه شيء لظلمته وظلمة الصورة التي ترد عليه. وإن كان الجسم المقابل لهذا اللون في مكان مضيء، وكان عليه ضوء من غير تلك الصورة، ويظهر للبصر لون هذا الجسم ولا تظهر الصورة بل تنقص الصورة من لونه فقط لأنها كالظل ولا يتميز للبصر هذا النقصان. وإن كان هذا الجسم الذي عليه الصورة أبيض، وكان مع ذلك مضيئاً بضوء غير ضوء الصورة، فإن الصورة تكسف بياض هذا الجسم وضوءه فقط لظلمتها، كما تفعل الأظلال في الأجسام البيض، ولا تتميز الصورة للبصر.في الأجسام البيض، ولا تتميز الصورة للبصر.
فإن كان الضوء الذي في الجسم المتلون قوياً، وكان الجسم الذي تشرق عليه الصورة ابيض، وكان الضوء الذي على هذا الجسم ضعيفاً، وكانت صورة اللون المشرقة عليه قوية بالإضافة إلى الضوء الذي عليه ع بياضه، وكانت الصورة من لون مشرق قوي، وكانت الصورة الثانية التي ترد إلى البصر من هذه الصورة قوية ومستظهرة على صورة الجسم الذي هي عليه وعلى الضوء الذي فيه، فإن البصر يدرك حينئذ هذه الصورة وتظهر له. والصور التي بهذه الصفة فقط هي التي يدركها البصر على الجسام المقابلة للألوان.
فالبصر إذن إنما يدرك صورة اللون على الجسم المقابل للون إذا كانت الصورة الثانية التي ترد إليه من صورة اللون أقوى واظهر من الصورة الأولى التي ترد إليه معها من الضوء واللون اللذين في الجسم الذي عليه الصورة. وهذه الصفة قليلة، فلذلك يقل ما يظهر من هذه الصور، ولا يظهر منها إلا ما كان من الألوان القوية المشرقة، وإذا كانت الأضواء التي عليها قوية، وما كان من هذه الصور على الأجسام النقية البياض والمسفرة الألوان، وإذا كانت الأضواء التي على هذه الأجسام ضعيفة بالإضافة إلى تلك الصور. ولا يظهر ما كان بخلاف هذه الصفة. والأكثر من صور المبصرات بخلاف هذه الصفة.
وكذلك الأضواء الضعيفة التي ليس يظهر ضوؤها على الأجسام المقابلة لها إنما ليس يظهر لأن الجسم المقابل للضوء الضعيف إذا كان مضيئاً بضوء غير ذلك الضوء امتزج الضوءان فلم يتميز الضوء الضعيف للبصر. وإذا كان الجسم المقابل للضوء الضعيف مظلماً فليس تظهر صورة اللون الضعيف عليه لن صورة الضوء الضعيف تكون ضعيفة وأضعف من الضوء نفسه، والصورة الثانية التي ترد إلى البصر من هذه الصورة التي منها يجب أن يدرك البصر هذه الصورة على الجسم المقابل للضوء تكون أضعف من هذه الصورة.فإذا كان الضوء ضعيفاً، وكان الجسم المقابل له مظلماً، كانت الصورة التي على الجسم المقابل له ضعيفة جداً، وكانت الصورة الثانية التي ترد منها إلى البصر في غاية الضعف. والبصر ليس يدرك الأضواء التي في غاية الضعف، ولا في قوة الحس أن يدرك ما كان في غاية اللطافة والضعف. فلذلك يدرك البصر صور الأضواء الضعيفة على الأجسام المقابلة لها، ويدرك مع ذلك الأضواء الضعيفة أنفسها إذا لم تكن في غاية الضعف، انه يدرك الأضواء أنفسها من الصورة الأولى التي ترد إليه منها، وهي أقوى من الصورة الثانية التي ترد إليه من الصورة التي على الجسم المقابل له ومع ذلك غير ممتزجة بغيرها.
فصور جميع الألوان المضيئة وصور جميع الأضواء تشرق على الأجسام المقابلة لها وتكون أبداً مشرقة عليها، وليس يظهر أكثرها للبصر للعلل التي ذكرناها، ويظهر بعضها للبصر إذا كان على الصفات التي وصفناها. فقد تبينت العلة التي من أجلها ليس يدرك البصر صور جميع الألوان التي في الأجسام المتلونة على جميع الأجسام المقابلة لها ويدرك بعضها ، وهو مع ذلك يدرك جميع الألوان التي في الأجسام المتلونة. وعلة ذلك هي أنه يدرك الألوان التي في الأجسام المتلونة من الصورة الأولى التي ترد إليه منها، وهي أقوى من الصورة الثانية التي ترد إليه من صور ألوانها التي على الأجسام المقابلة لها، ويدرك صور الألوان أيضاً منفردة غير ممتزجة بغيرها، ويدرك الصورة الثانية التي ترد من صور ألوانها ممتزجة بغيرها.
وهذا المعنى هو الذي ضمنا في آخر الفصل الثالث تبيينه في هذا الفصل. ويتبين من هذا المعنى أن الألوان التي يدركها البصر من المبصرات إنما يدركها ممتزجة بصور الأضواء التي هي فيها ممتزجة بجميع الصور المشرقة عليها من ألوان الأجسام المقابلة لها. وإن كان الجسم المشف المتوسط بينها وبين البصر فيه بعض الغلظ فإن لونه أيضاً يمتزج بألوانها، وليس يدرك البصر لوناً من الألوان مجرداً على انفراده من صورة تمازجه، إلا أن الصور التي تشرق على الأجسام المقابلة للأجسام المتلونة تكون في الأكثر في غاية الضعف والرقة، والصورة الثانية التي ترد من كل واحدة منها إلى ابصر تكون في الأكثر في غاية الضعف.
فلذلك تكون ألوان الأجسام أنفسها في الأكثر مستظهرة على الصورة التي تشرق عليها ولا تتميز للبصر الصورة المشرقة عليها. وكذلك إن كان الجسم المتوسط بين البصر والمبصر فيه غلظ يسير لم يتميز للبصر لونه من لون المبصر الذي يرد معه، إذا كان لون المبصر الذي يرد معه أقوى من لونه ومستظهراً على لونه.
فأما الأضواء القوية لم تعوق البصر عن إدراك المبصرات وتخفي عن البصر بعض المعاني التي تكون في المبصرات فإن ذلك إنما هو لأن الصور التي ترد إلى البصر على سمت واحد إنما يدركها البصر ممتزجة. فإذا كان بعض الصور الممتزجة قوياً مسرف القوة وبعضها ضعيفاً استظهرت الصورة القوية على الصورة الضعيفة فلم تتميز الصورة الضعيفة للبصر ولم يدركها البصر. وإذا كانت الصور الممتزجة متقاربة في القوة أدرك البصر كل واحدة منها ويكون إدراكه لكل واحدة من الصور الممتزجة بحسب ما يمازجها من الصور الممازجة لها، لأن الصور الممتزجة ليس يدرك البصر كل واحدة منها منفردة وإنما يدركها ممتزجة.
والكواكب ليس إنما يدركها البصر في ضوء النهار لأن ضوء الشمس الذي يحصل في الهواء أقوى من ضوء الكواكب. فإذا نظر ناظر إلى السماء في ضوء النهار كان الهواء الذي بينه وبين السماء مضيئاً بضوء الشمس ومتصلاً بالبصر، وكانت الكواكب من وراء ذلك الضوء، فتكون صورة الكوكب وصورة الضوء الذي في الهواء المتوسط بين البصر وذلك الكوكب يردان إلى البصر على سمت واحد فيدركهما البصر ممتزجين. وصورة الضوء التي ترد من الهواء المتوسط بين البصر وبين الكوكب بالنهار الذي هو من الأضواء الثواني أقوى من صورة ضوء الكوكب بكثير. فتستظهر صورة ضوء الهواء على صورة ضوء الكوكب، فلا تتميز للبصر صورة الكوكب، ولا يكون بين صورة الضوء الذي يحصل في الجزء من البصر المسامت للكوكب وبين صورة الضوء الذي يحصل في الأجزاء الباقية من البصر المحيطة بذلك الجزء اختلاف يدركه الحس لاستظهار صورة ضوء النهار على صورة ضوء الكوكب وغمور صورة ضوء الكوكب عند إدراكها بصورة ضوء النهار، فلذلك لا يدرك البصر الكواكب بالنهار.
وكذلك الأضواء الضعيفة التي تكون في وسط الأضواء القوية، كالنار الضعيفة التي تكون في ضوء الشمس ، وكالحيوان المسمى اليراع إذا أدركه البصر في ضوء النهار، وما جرى مجرى ذلك، فإن هذه المبصرات إذا كانت في ضوء الشمس أو في ضوء النهار فإن ضوء النهار يكون مشرقاً عليها وعلى الهواء المتوسط بينها وبين البصر، فصورها ترد إلى البصر ممتزجة بصورة الضوء القوي المشرق عليها وصورة الضوء القوي المشرق على الهواء المتوسط بينها وبين البصر، فيدرك البصر صورة ما هذه حاله من المبصرات ممتزجة بصورة ضوء قوي، وصورها ضعيفة، فستظهر صورة الضوء القوي على صورها الضعيفة، فلا تتميز صورها للبصر ولا يدركها البصر.
وقد تخفى الأضواء الضعيفة وصور المبصرات الضعيفة الضوء إذا حصل في البصر ضوء قوي وإن لم يكن ورود الصورتين إلى البصر من سمت واحد ، وذلك إذا كان ورود الصورتين من سمتين متجاورين وحصلا في البصرين في جزء ين متجاورين. وهذا المعنى يظهر في الليل وفي ضوء النار. وذلك ان البصر إذا أدرك ضوء النار، وكانت النار قريبة من البصر وكان ضوؤها ضوءاً قوياً، وكان مقابلاً للبصر في تلك الحال مبصرات فيها أضواء ضعيفة عرضية، وكانت تلك المبصرات أبعد عن البصر من النار، وكانت على سموت مجاورة لسمت النار وقريبة من سمت النار، فإن البصر لا يدرك تلك المبصرات إدراكاً صحيحاً، وإن كان فيها معان لطيفة أو أجزاء لطيفة لم يدركها البصر في تلك الحال. فإن ستر النار عن بصره أو تباعد عن سمت النار حتى يصير السمت الذي يدرك منه تلك المبصرات بعيداً عن السمت الذي يدرك منه النار فإنه حينئذ يدرك تلك المبصرات إدراكاً أبين مما كان يدركها في الحالة الأولى.
والعلة في ذلك أن المبصرات التي فيها أضواء ضعيفة عرضية تكون صورها وظلمة، فإذا أدركها البصر ولم يدرك معها في الحال ضوءاً قوياً أحس بالضوء الضعيف الذي فيها لظلمة داخل البصر أو عدم الضوء القوي من الجزء منه الذي تحصل فيه صورة الضوء الضعيف ومما يحيط به من أجزاء البصر وللتباين الذي بين الظلمة والضوء المقترنين. وإذا أحس البصر بالضوء الذي في الصورة وتميزت له تلك الصورة وأدركها إدراكاً ما بحسب الضوء الذي فيها. وإذا أدرك البصر الصورة المظلمة وأدرك معها في الحال ضوءاً قوياً، وأدرك ذلك الضوء القوي في الجزء من المبصر المماس للجزء الذي أدرك فيه الصورة المظلمة، لم يدرك البصر الضوء الضعيف الذي في الصورة المظلمة لحالتين: إحداهما أن الضوء القوي إذا حصل في البصر أضاء جميع داخل البصر، وإذا كان داخل البصر مضيئاً لم يظهر فيه الضوء الضعيف الذي يدركه البصر مع ضعفه من اجل ظلمة البصر وتباين الظلمة والضوء، وخاصة إذا كان الضوء الضعيف ضعيف النسبة جداً إلى الضوء القوي الذي حصل في البصر. والحالة الثانية هي اقتران الضوء الضعيف بالضوء القوي في جزءين متجاورين من البصر. والضوء الضعيف بالقياس إلى الضوء القوي هو ظلمة ما، فإذا تجاوز الصورة المظلمة الضعيفة الضوء وصورة الضوء القوي في البصر فليس يدرك البصر الضوء الذي في الصورة المظلمة للحالتين اللتين ذكرناهما. وإذا لم يدرك البصر الضوء الذي في الصورة المظلمة فلم يدرك من الصورة المظلمة إلا ظلمة فقط، وإذا لم يدرك البصر الضوء الذي في الصورة، ولم يدرك منها إلا ظلمة فقط، لم تتميز له الصورة ولم يدرك الصورة إدراكاً صحيحاً.ولالتباس صور الأضواء الضعيفة من أجل مجاورتها للأضواء القوية نظائر في الألوان. وذلك أن الصبغ الأدكن إذا وشم به جسم أبيض نقي البياض ونقط عليه منه نقط صغار أو نقش به نقوش دقاق ظهر ذلك الصبغ أسود أو مظلماً شديد الظلمة، ولم يظهر الإسفار الذي فيه، ولم يدرك البصر حقيقة لونه. وإذا وشم بذلك الصبغ بعينه جسم أسود حالك السواد ظهر ذلك الصبغ أبيض أو مسفر اللون، ولم يظهر الإظلام الذي فيه، ولم يدرك البصر حقيقة لونه. وإذا كان ذلك الصبغ بين أجسام ليست في غاية البياض ولا في غاية السواد ظهر لونه على ما هو عليه وأدرك البصر حقيقة لونه بحسب ما يصح أن يدركه البصر.
وكذلك الصبغ الأخضر الزرعي إذا نقش به جسم كحلي ظهر ذلك الصبغ صعوياً وصافي اللون، وإذا نقش به جسم صافي الصفرة ظهر ذلك الصبغ مسنياً ومظلم اللون. وكذلك كل صبغ متوسط بين طرفين.
فالمبصرات المتجاورة إذا كانت ألوانها أو أضواؤها متباينة تبياناً مفرطاً في القوة والضعف فإن الضعيف منها تخفى حقيقته، فلا يدرك البصر حقيقته عند اقترانه بالقوي المباين. وذلك لأن كيفيات الأضواء والألوان إنما يدركها البصر من قياس بعضها ببعض، فالأضواء القوية إنما تعوق البصر عن إدراك المبصرات التي أضواؤها ضعيفة لامتزاج صور الأضواء الضعيفة بصورها واستظهار صور الأضواء القوية على صور الأضواء الضعيفة عند امتزاجها أو لمجاورة الأضواء الضعيفة لها، وإدراك البصر للصور المجاورة المتجانسة من قياس بعضها إلى بعض، وقصور الحس عن إدراك ما كان ضعيف النسبة جداً إلى القوي المحسوس.
فقد أتينا على تبيين جميع المعاني التي تتعلق بهذا الفصل.


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 23 نوفمبر 2017 - 5:51