المقالة الثانية [ الفصل الأول والفصل الثاني ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1484
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الثانية [ الفصل الأول والفصل الثاني ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 13 يوليو 2016 - 10:53


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الثانية
تفصيل المعاني التي يدركها البصر
وعللها وكيفية إدراكها

● [ الفصل الأول ] ●
صدر المقالة

بسم الله الرحمن الرحيم
قد تبين في المقالة الأولى كيف يكون الإبصار بالجملة، وهو كيفية إحساس البصر لصورة الضوء واللون اللذين في المبصر مرتبة على ما هي عليه في سطح المبصر. والبصر يدرك من المبصرات معاني كثيرة من المعاني التي تكون في المبصرات غير الضوء واللون.
وأيضاً فإنه قد تبين في المقالة الأولى أن الإبصار إنما يكون من سموت خطوط الشعاع. وخطوط الشعاع تختلف أحوالها، وتختلف أحوال الصور التي ترد عليها إلى البصر.
وأيضاً فإن إدراك البصر للمبصرات ليس يكون في جميع الأوقات ولجميع المبصرات وعلى جميع الأحوال على صفة واحدة، بل تختلف كيفية إحساس البصر بالمبصرات، وتختلف كيفية إحساس البصر بالمبصر الواحد من البعد الواحد ومن الوضع الواحد بحسب قصد الناظر وتعمله لإدراك المبصر وتعمده لتمييز المعاني التي فيه.
ونحن نبين في هذه المقالة اختلاف أحوال خطوط الشعاع، ونميز خواصها، ونفصل أيضاً جميع المعاني التي يدركها البصر، ونبين كيف يدرك البصر كل واحد منها، ونميز كيفية إدراك ابصر للمبصرات، ونبين اختلاف إدراك البصر لها.



● [ الفصل الثاني ] ●
تمييز خطوط الشعاع

قد تبين في المقالة الأولى أن خطوط الشعاع التي من سموتها يدرك البصر المبصرات هي الخطوط المستقيمة التي تلتقي أطرافها عند مركز البصر وقد تبين في هيئة البصر أن العضو الحاس الذي هو الرطوبة الجليدية مركب على طرف تجويف العصبة التي جملة العين مركبة عليها، وأن هذه العصبة إذا كانت منحنية فإن انحنائها يكون من خلف مركز البصر ومن وراء جملة العين وعند الثقب الذي في مقعر العظم.
وقد تبين أيضاً أن الخط المستقيم الذي يم بجميع مراكز طبقات البصر يمتد في وسط تجويف العصبة وينتهي على استقامة إلى وسط موضع الانحناء من تجويف العصبة التي في العين مركبة عليها، ويمر بمركز الثقب الذي في مقدم العنبية، وتبين أيضاً أن هذا الخط ليس يتغير وضعه عند جملة البصر ولا عند سطوح طبقات البصر ولا عند أجزاء البصر. فالخط المستقيم الذي يمر بجميع مراكز طبقات البصر يكون أبداً ممتداً على استقامة إلى موضع الانحناء من تجويف العصبة التي العين مركبة عليها على تصاريف أحوال البصر في حال حركته وفي حال سكونه. ولأن هذا الخط يمر بمركز البصر وبمركز الثقب الذي في مقدم العنبية فهو يمتد في وسط المخروط الذي رأسه مركز البصر ويحيط به محيط الثقب الذي في مقدم العنبية الذي فيه ترد الصور إلى البصر. فلنسم هذا الخط سهم المخروط.
وقد تبين أيضاً في المقالة الأولى أن المخروط الذي يتشكل بين المبصر ومركز البصر يفصل من سطح الجليدية جزءاً يشتمل على جميع صورة المبصر الذي عند قاعدة ذلك المخروط، وتكون الصورة مرتبة في هذا الجزء من سطح الجليدية بسموت خطوط الشعاع الممتدة بين المبصر ومركز البصر كترتيب أجزاء سطح المبصر، وإنما الجليدية تحس بالمبصر من الصورة التي تترتب في هذا الجزء من سطحها. فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات وحصلت صورته في الجزء من سطح الجليدية الذي يحوزه المخروط المتشكل بين البصر وذلك المبصر، فإن كل نقطة من الصورة التي تحصل في هذا الجزء من سطح الجليدية هي على خط الشعاع الممتد بين تلك النقطة وبين النقطة النظيرة لها من سطح المبصر الذي عليه وردت الصورة إلى تلك النقطة من سطح الجليدية على استقامة. فإذا كانت صورة المبصر في وسط سطح الجليدية كان السهم الذي ذكرناه أحد الخطوط التي وردت عليها صور النقط التي في سطح ذلك المبصر على استقامة، وتكون النقطة من سطح المبصر التي عند طرف هذا السهم هي التي وردت صورتها على هذا السهم.
وقد تبين في المقالة الأولى أن الصور التي يدركها البصر من المبصرات تمتد في جسم الجليدية وفي تجويف العصبة التي العين مركبة عليها، وتنتهي إلى العصبة المشتركة التي عند وسط مقدم الدماغ، وهناك يكون إدراك الحاس الأخير لصور المبصرات، وأن الإبصار ليس يتم إلا بوصول الصورة إلى العصبة المشتركة، وان امتداد الصور من سطح الجليدية في جسم الجليدية يكون على استقامة خطوط الشعاع فقط، لأن الجليدية ليس تقبل هذه الصور إلا من سموت خطوط الشعاع فقط.
والحاس الأخير إنما يدرك أوضاع أجزاء المبصر على ما هي عليه في سطح المبصر. وإذا كانت أوضاع أجزاء الصورة التي تحصل في سطح الجليدية بعضها عند بعض كأوضاع أجزاء سطح المبصر بعضها عند بعض، وكانت هذه الصورة تمتد في جسم الجليدية وفي تجويف العصبة إلى أن تصل إلى العصبة المشتركة، وكان الإبصار ليس يتم إلا بوصول هذه الصورة إلى العصبة المشتركة، وكان الحاس الأخير إنما يدرك صورة المبصر من هذه الصورة وعند وصولها إلى العصبة المشتركة، وكان الحاس الأخير مع ذلك يدرك أوضاع أجزاء المبصر على ما هي عليه، فليس يتم الإبصار إذن إلا بعد أن تصل الصورة التي تحصل في وسط الجليدية إلى العصبة المشتركة وأوضاع أجزائها على ما هي عليه في سطح الجليدية من غير أن يتغير شيء منها.
وليس تصل الصورة من سطح الجليدية إلى العصبة المشتركة إلا بامتدادها في تجويف العصبة التي الجليدية مركبة عليها. فإن لم تحصل الصورة في تجويف هذه العصبة وهي على هيئتها، وأوضاع أجزائها على ما هي عليه، فليس يصح أن تمتد الصورة من سطح الجليدية إلى تجويف العصبة على استقامة خطوط الشعاع وأوضاع أجزائها على ما هي عليه. وذلك أن هذه الخطوط تلتقي عند مركز البصر، ثم إذا امتدت على استقامتها من بعد المركز فإن أوضاعها تنعكس فيصير المتيامن منها متياسراً والمتياسر متيامناً والمتعالي متسافلاً والمتسافل متعالياً كذلك جميع الخطوط المتقاطعة على نقطة واحدة. فإن امتدت الصورة من سطح الجليدية على استقامة خطوط الشعاع فإنها تجتمع عند مركز البصر فتصير الصورة نقطة واحدة. ومركز البصر في وسط جملة العين ومتقدم لموضع الانحناء من تجويف العصبة وهي نقطة واحدة، فلا يحصل في تجويف العصبة صورة . وإن امتدت على استقامة خطوط الشعاع وتجاوزت المركز فإنها منعكسة بحسب انعكاس الخطوط المتقاطعة التي امتدت عليها.فإن وصلت إلى تجويف العصبة من بعد تجاوز المركز فهي تصل منعكسة. فليس يصح أن تصل الصورة من سطح الجليدية إلى تجويف العصبة، وأوضاع أجزائها على ما هي عليه، إذا امتدت على استقامة خطوط الشعاع. فليس يصح إذن أن تصل الصورة من سطح الجليدية إلى تجويف العصبة وأوضاع أجزائها على ما هي عليه إلا على خطوط منعطفة مقاطعة لخطوط الشعاع.وإذا كان ليس يتم الإبصار إلا بوصول الصورة التي تحصل في سطح الجليدية إلى العصبة المشتركة وأوضاع أجزائها على ما هي عليه، وكانت هذه الصورة ليس يصح أن تصل إلى تجويف العصبة وأوضاع أجزائها على ما هي عليه إلا منعطفة، فليس يتم الإبصار إذن إلا من بعد أن تنعطف الصورة التي تحصل في سطح الجليدية وتمتد على خطوط مقاطعة لخطوط الشعاع، ويكون انعطافها من قبل وصولها إلى المركز، لأنها إن انعطفت بعد تجاوزها المركز كانت منعكسة.
وقد تبين أن هذه الصور تنفذ في جسم الجليدية على استقامة خطوط الشعاع. وكان ليس يصح أن تصل إلى تجويف العصبة إلا بعد أن تنعطف على خطوط مقاطعة لخطوط الشعاع، فالصورة إذن إنما تنعطف من بعد نفوذها في جسم الجليدية. وليس يصح أن تنعطف الصورة في جسم الجليدية وجميع أحوال الجليدية على ما هي عليه. وقد تقدم في هيئة البصر أن جسم الجليدية مختلف الشفيف، وأن الجزء المتأخر منها، وهو الذي يسمى الزجاجية، مخالف الشفيف للجسم المتقدم. وليس في جسم الجليدية جسم مخالف الصورة لصورة الجسم المتقدم منها غير جسم الزجاجية. ومن خاصة صور الأضواء والألوان أن تنعطف إذا لقيت جسماً مخالف الشفيف للجسم الأول الذي هي فيه. فالصور إذن إنما تنعطف عند وصولها إلى الرطوبة الزجاجية. وهذا الجسم إنما كان مخالف الشفيف للجسم المتقدم من الجليدية لتنعطف الصور عند وصولها إليه.ويلزم أن يكون سطح هذا الجسم متقدماً لمركز البصر لتنعطف الصور عنده قبل أن تتجاوز المركز فتكون عند الانعطاف على هيئتها التي هي عليه في سطح المبصر. ويلزم أن يكون هذا السطح متشابه الترتيب، لأنه إن لم يكن متشابه الترتيب تشوهت الصورة بعد انعطافها عليه. والسطح المتشابه الترتيب إما مسطح وإما كري. وليس يصح أن يكون هذا السطح من كرة مركزها مركز البصر، لأنه إن كان كرياً مركزه مركز البصر كانت خطوط الشعاع أعمدة عليه فتمتد الصورة على استقامتها عند وصولها إليه ولا تنعطف. وليس يصح أن يكون من كرة صغيرة فإن الصورة إذا انعطفت عنه وامتدت عنه مقداراً يسيراً تشوهت. فهذا السطح إما سطح مستو وإما من كرة مقتدرة لا تؤثر في كريته في ترتيب الصورة، وليس مركزه مركز البصر.
فسطح الرطوبة الزجاجية الذي هو الفصل المشترك بين هذا الجسم والجسم المتقدم من الجليدية سطح متشابه الترتيب متقدم لمركز البصر. وجميع الصور التي تحصل في سطح الجليدية تمتد في جسم الجليدية على استقامة خطوط الشعاع إلى أن تصل إلى هذا السطح. فإذا وصلت إلى هذا السطح انعطفت عنده على خطوط متشابهة الترتيب مقاطعة لخطوط الشعاع. فخطوط الشعاع إنما تترتب بها صور المبصرات عند الجليدية فقط. لأن عند هذا العضو يكون ابتداء الحس. وقد تبين في المقالة الأولى أنه ما كان يمكن أن تترتب صورة المبصر في سطح البصر مع عظم المبصر وصغر العضو الحاس إلا بهذه الخطوط، فهذه الخطوط إنما هي آلة للبصر بها يتم للبصر إدراك المبصرات على ما هي عليه، ثم وصول الصور إلى الحاس الأخير ليس يحتاج إلى امتداد الصورة على استقامة هذه الخطوط. وقد تبين الآن أنه ليس يصح أن تمتد الصور إلى الحاس الأخير على استقامة هذه الخطوط.
وأيضاً فإنه ليس قبول العضو الحاس للصور كقبول الأجسام المشفة لهذه الصور. لأن العضو الحاس يقبل هذه الصور ويحس بها، وتنفذ الصور فيه لشفيفه وللقوة الحساسة التي هي فيه. فهو يقبل هذه الصور قبول إحساس، والأجسام المشفة إنما تقبل هذه الصور قبول تأدية فقط ولا تحس بها.وإذا كان قبول الجسم الحاس لهذه الصور ليس كقبول الأجسام المشفة الغير حساسة، فليس امتداد الصور في الجسم الحاس بحسب السموت التي توجبها الأجسام المشفة، وإنما تمتد بحسب امتداد الجسم الحاس. والبصر إنما تخصص بقبول الصور من سموت خطوط الشعاع فقط لن خاصة الصور ان تمتد في الأجسام المشفة على جميع السموت المستقيمة، فهي ترد إلى البصر على جميع السموت المستقيمة، فلو قبلها البصر من جميع السموت التي ترد عليها لما ترتبت الصور عنده، فتخصص البصر بقبول الصور من سموت هذه الخطوط فقط ليحس بالصور مرتبة على ما هي عليه في سطوح المبصرات. ثم إذا حصلت الصور عند العضو الحاس مترتبة، وأدركها العضو الحاس وهي مترتبة، لم يبق من بعد ذلك شيء لا يتم إلا بهذه السموت، وحصلت الصور في الجسم الحاس ليس كحصولها في الأجسام المشفة، فخطوط الشعاع إنما هي آلة يتم بها إحساس الجليدية فقط.
وإذا كان قد تبين أن الصور ليس يصح أن تمتد من بعد الجليدية على استقامة خطوط الشعاع، وإنما تنعطف من بعد الجليدية، وأن انعطافها إنما هو عند وصولها إلى الرطوبة الزجاجية، وأن امتداد الصور في هذا الجسم إنما هو على خطوط منعطفة لا على استقامة خطوط الشعاع، فليس لجسم الزجاجية إذن تخصص بسموت خطوط الشعاع، فالجز المتقدم فقط من الجليدية هو المتخصص بقبول الصور من سموت خطوط الشعاع. والجزء المتأخر الذي هو الزجاجية والقوة القابلة التي في هذا الجسم إنما هي متخصصة، مع الإحساس بهذه الصورة، بحفظ ترتيبها فقط.وإذا كان ذلك كذلك فكيفية قبول الزجاجية للصور ليس هو ككيفية قبول الجسم المتقدم من الجليدية ، والقوة القابلة التي في الزجاجية ليست القوة القابلة التي في الجزء المتقدم.
وإذا كان كيفية قبول الزجاجية للضوء ليس هي كيفية قبول الجزء المتقدم من الجليدية، وليس حاجة الزجاجية كحاجة الجزء المتقدم من الجليدية، وليس حاجة الزجاجية كحاجة الجزء المتقدم من الجليدية فانعطاف الصور عند سطح الزجاجية إنما هو لاختلاف كيفية القبول الحسي أيضاً الذي بين هذين الجسمين. فالصور إذن تنعطف عند الزجاجية لحالتين، إحداهما اختلاف شفيف الجسمين والأخرى اختلاف كيفية القبول الحسي الذي في هذين الجسمين.
وإنما يختلف الشفيف في هذين الجسمين لتتفق الخاصة التي يوجبها الشفيف والخاصة التي يوجبها اختلاف كيفية الإحساس، فتبقى الصورة على هيئتها. ولو كان شفيف الجسمين شفيفاً متشابهاً لكانت الصورة تمتد في جسم الزجاجية على استقامة خطوط الشعاع من أجل تشابه الشفيف، وكانت تنعطف من أجل اختلاف كيفية الإحساس، وكانت الصورة من بعد الانعطاف إما أن تتشوه لهذه الحال وإما أن تصير صورتين. وإذا كان اختلاف الشفيف يوجب لها الانعطاف واختلاف كيفية الحس يوجب لها ذلك الانعطاف كانت الصورة بعد الانعطاف صورة واحدة وعلى هيئتها. فلذلك اختلف شفيف جسم الزجاجية وشفيف الجسم المتقدم من الجليدية. فالصور تصل إلى الزجاجية وهي مرتبة كترتيبها في سطح المبصر فيقبلها هذا الجسم ويحس بها بما فيه من القوة الحساسة، ثم تنعطف الصورة في هذا الجسم من أجل اختلاف الشفيف ومن أجل اختلاف كيفية إحساس هذا الجسم بها، فتحصل الصورة في هذا الجسم على هيئتها التي كانت عليها، ثم يمتد هذا الإحساس وهذه الصور في هذا الجسم والجسم المتصل به إلى أن يصل الإحساس وتصل الصور إلى الحاس الأخير والصور على هيئتها. فيكون امتداد الحس وامتداد الصورة في جسم الزجاجية وفي الجسم الحاس الممتد في تجويف العصبة إلى الحاس الأخير كامتداد إحساس اللمس وكامتداد إحساس الألم إلى الحاس الأخير.
وإحساس اللمس وإحساس الألم إنما يمتد من الأعضاء في شظايا العصب وفي الروح الممتدة في تلك الشظايا. وصور المبصرات إذا حصلت في جسم الرطوبة الزجاجية وأحس بها هذا العضو امتد الحس من هذا العضو في الجسم الحاس الممتد في تجويف العصبة المتصلة بين البصر وبين مقدم الدماغ، وامتدت الصورة بامتداد الحس وتكون الصورة في حال امتدادها مترتبة على هيئتها من غير أن تتغير أوضاع أجزائها لأن الجسم الحاس مطبوع على حفظ ترتيب هذه الصور. وهذا الترتيب ينحفظ بالجسم الحاس لأن ترتيب أجزاء الجسم الحاس القابلة لأجزاء الصور وترتيب القوة القابلة التي في أجزاء الجسم الحاس هو في جسم الزجاجية وفي جميع الجسم اللطيف الممتد في تجويف العصبة ترتيب متشابه. وإذا كان ذلك كذلك فكل نقطة من سطح الزجاجية إذا وصلت الصورة إليها فإنها تجري في سمت متصل لا يتغير وضعه من تجويف العصبة الذي يمتد فيه الجسم الحاس، ويكون جميع السموت التي يجري فيها جميع النقط التي في الصورة متشابهة الترتيب بعضها عند بعض ، وتكون هذه السموت منحنية في حال انحناء العصبة، وتكون في حال انحنائها مرتبة كترتيبها قبل انحنائها وبعد انحنائها من أجل كيفية الإحساس الذي في هذا الجسم، فتصل الصورة إلى العصبة المشتركة وهي على هيئتها من غير أن يتغير شيء من ترتيبها. وليس يصح أن يكون امتداد صور المبصرات إلى الحاس الأخير إلا على هذه الصفة أنه ليس يصح أن تصل الصورة إلى العصبة المشتركة وهي على هيئتها إلا إذا كان امتدادها على هذه الصفة.
وإذا كانت الصور تمتد على هذا الترتيب فإن كل نقطة من سطح الجليدية تمتد الصورة التي تحصل فيها أبداً على سمت واحد بعينه إلى نقطة واحدة بعينها من الموضع الذي تحصل فيه الصورة من العصبة المشتركة، لأن كل نقطة من سطح الجليدية تنتهي الصورة التي تحصل فيها أبداً إلى نقطة واحدة بعينها من سطح الزجاجية. ويلزم من ذلك أن يكون كل نقطتين متشابهتي الوضع من البصرين تمتد الصورتان منهما جميعاً إلى نقطة واحدة بعينها من العصبة المشتركة.
وأيضاً فإنه يلزم أن يكون الجسم الحاس الذي في تجويف العصبة فيه بعض الشفيف لتظهر فيه صور الأضواء والألوان. ويلزم أيضاً أن يكون شفيفه شبيهاً بشفيف الرطوبة الزجاجية، لئلا تنعطف الصور عند وصولها إلى السطح الأخير من الزجاجية الذي يلي تجويف العصبة. لأنه إذا كان شفيف الجسمين متشابهاً لم تنعطف الصور، وليس يصح أن تنعطف الصور عند هذا السطح لأن هذا السطح سطح كري وهو من كرة صغيرة، فلو انعطفت الصور من هذا السطح لم تبعد عند إلا يسيراً حتى تتشوه، فليس يصح أن تنعطف الصور عند هذا السطح.
وإذا كان شفيف الجسم الحاس الذي في تجويف العصبة مخالفاً لشفيف الزجاجية لم يكن بد من أن يحدث هذا الاختلاف تشعيثاً للصورة. وإن كانت الصورة تمتد بامتداد الحس فليس شفيف الجسم الحاس الذي في تجويف العصبة مخالفاً لشفيف جسم الزجاجية. وليس شفيف هذا الجسم لتمتد الصور فيه على السموت التي يوجبها الشفيف، وإنما شفيفه ليقبل صور الأضواء والألوان وتظهر الصور فيه. لأن الجسم ليس يقبل الضوء واللون وتنفذ فيه صور الأضواء والألوان إلا إذا كان مشفاً آو كان فيه بعض الشفيف. وليس يظهر الضوء واللون في الجسم المشف إلا إذا كان فيه مع الشفيف بعض الغلظ. كذلك جميع الأجسام التي تقبل الأضواء والألوان وتظهر الأضواء والألوان فيها، ولذلك لم تكن الجليدية في غاية الشفيف ولا في غاية الكثافة. فالجسم الحاس الذي في تجويف العصبة مشف وفيه بعض الغلظ، والصورة تنفذ في هذا الجسم بما فيه من الشفيف وتظهر الصور فيه لقوة الحساسة بما فيه من الغلظ. والحاس الأخير إنما يدرك صور الأضواء والألوان من الصور التي تحصل في هذا الجسم ند وصولها إلى العصبة المشتركة ، وهو يدرك الضوء من الإضاءة التي تحصل في هذا الجسم. فعلى هذه الصفة يكون وصول الصور إلى الحاس الأخير ويكون إدراك الحاس الأخير لها.
وإذ قد تبين أن الصور تنعطف عند سطح الزجاجية فإننا نقول إن سهم مخروط الشعاع ليس يصح أن يكون مائلاً على هذا السطح، وليس يصح أن يكون إلا عموداً عليه. لأن السهم إذا كان مائلاً على هذا السطح فإن الصور التي تحصل في سطح الجليدية إذا وصلت إلى هذا السطح اختلف ترتيبها وتغيرت هيئتها. وليس يصح أن تحصل الصور في سطح الزجاجية وهي على هيئتها إلا إذا قابل البصر مبصراً من المبصرات وحصل سهم الشعاع على سطح ذلك المبصر حصلت صورة ذلك المبصر في سطح الجليدية مرتبة كترتيب أجزاء سطح ذلك المبصر حصلت صورة ذلك المبصر في سطح الجليدية مرتبة كترتيب أجزاء سطح المبصر، وحصلت صورة النقطة التي عند طرف السهم من سطح المبصر في النقطة التي على السهم من سطح الجليدية، وحصلت صور جميع النقط من سطح المبصر التي أبعادها من النقطة التي عند طرف السهم متساوية في النقط من الصورة التي في سطح الجليدية التي أبعادها من النقطة التي على السهم أبعاد متساوية. لأن جميع النقط التي تحصل في سطح الجليدية هي خطوط الشعاع الممتدة من مركز البصر إلى سطح البصر. وسهم الشعاع عمود على سطح الجليدية. فجميع السطوح المستوية التي تخرج من السهم وتقطع سطح الجليدية تكون قائمة على هذا السطح على زوايا قائمة.
وقد تبين أن سطح الرطوبة الزجاجية إما مسطح وإما كري مركزه غير مركز البصر. فإن كان سهم الشعاع مائلاً على هذا السطح وليس هو عموداً عليه فليس يخرج من السهم سطح مستو يكون قائماً على هذا السطح على زوايا قائمة إلا سطح واحد فقط، وجميع السطوح الباقية التي تخرج من السهم تكون مائلة عليه، لأن ذلك هو خاصة الخطوط المائلة على السطوح المستوية وعلى السطوح الكرية. فلنتوهم السطح الذي يخرج من السهم ويكون قائماً على سطح الزجاجية على زوايا قائمة ممتداً من السهم ، فهو يقطع سطح الزجاجية وسطح الجليدية ويحدث فيهما فصلين مشتركين. ولنتوهم على الفصل المشترك الذي ين هذا السطح وبين سطح الجليدية نقطتين بعدما من النقطة التي على السهم من سطح الجليدية بعد مساو. ونتوهم خطين خارجين من المركز إلى هاتين النقطتين، فيكون هذان الخطان مع السهم في السطح المشترك القائم على سطح الزجاجية على زوايا قائمة، لأن النقطتين اللتين على الفصل المشترك من سطح الجليدية ونقطة المركز ثلاثتها في هذا السطح، وتكون الزاويتان اللتان تحدثان بين هذين الخطين وبين السهم متساويتين، ويكون هذان الخطان يقطعان الفصل المشترك الذي يحصل في سطح الزجاجية على نقطتين، ويكون السهم يقطع هذا الفصل أيضاً على نقطة متوسطة بين النقطتين اللتين على ذينك الخطين. فإن كان سطح الرطوبة الزجاجية سطحاً مستوياً فإن الفصل المشترك هو خط مستقيم. وإذا كان السهم مائلاً على سطح الرطوبة الزجاجية، وكان السطح الذي أحدث الفصل المشترك قائماً على هذا الخط، فتكون الزاويتان اللتان على جنبيه مختلفتين، لأنه لو كان السهم قائماً على هذا الفصل المشترك لكان قائماً على السطح. فإذا كان السهم مائلاً على هذا الخط والزاويتان اللتان عن جنبيه مختلفتين، وكانت الزاويتان اللتان عند مركز الجليدية الذي هو طرف السهم متساويتين، فإن قسمي الخط الذي هو الفصل المشترك مختلفان أحدهما من الأخر، فتكون نقطتا طرفيهما مختلفتي البعد عن النقطة التي على السم من هذا الخط. وهاتان النقطتان هما اللتان تصل إليهما صورتي النقطتين من سطح الجليدية المتساويتي البعد عن السهم، لأنهما عند طرفي خطي الشعاع المارين بهاتين النقطتين. والنقطة التي على السهم من سطح الجليدية، لأن الصور تمتد من سطح الجليدية إلى سطح الزجاجية على استقامة خطوط الشعاع. فإن كان السهم مائلاً على سطح الزجاجية، وكان سطح الزجاجية مسطحاً، فإن النقطتين من الصورة التي تحصل في سطح الجليدية اللتين بعدهما من النقطة التي على السهم بعد متساو واللتين هما في السطح القائم على سطح الزجاجية إذا وصلا إلى سطح الزجاجية كان بعدهما من النقطة التي تصل على السهم بعداً مختلفاً.
وإذا كان السهم مائلاً على سطح الزجاجية، وكان سطح الزجاجية مستوياً، فإن كل سطح يخرج من السهم ويقطع سطح الزجاجية فإن الفصل المشترك الذي يحدث منه يحيط مع السهم بزاويتين مختلفتين، ما سوى سطح واحد فقط، وهو الذي يقاطع السطح القائم على الزجاجية على زوايا قائمة، فإن فصله المشترك يحيط مع السهم بزاويتين قائمتين. وجميع السطوح الباقية يكون السهم مائلاً على فصولها المشتركة، لأن هذه هي خاصة الخطوط المائلة. وإذا كانت الزاويتان اللتان تحدثان بين السهم والفصل المشترك مختلفتين، وكانت الزاويتان اللتان يوترهما قسما الفصل المشترك، اللتان عند مركز سطح الجليدية، متساويتين، فإن قسمي الفصل المشترك الذي يكون في سطح الزجاجية يكونان مختلفين، وتكون النقطتان اللتان هما طرفا هذا الفصل المشترك مختلفتي البعد من النقطة التي على السهم، ويكون قسما الفصل المشترك اللذان في سطح الجليدية متساويتين، وتكون النقطتان اللتان هما طرفا هذا الفصل المشترك متساويتي البعد من النقطة التي على السهم من سطح الجليدية. وإذا كان ذلك كذلك فإن الصورة التي تحصل في سطح الجليدية، إذا وصلت إلى سطح الزجاجية، كان ترتيبها بخلاف ما هو عليه في سطح الجليدية، وبخلاف ما هو عليه في سطح المبصر.
وكذلك أيضاً يتبين إذا كان سطح الزجاجية كرياً وكان السهم مائلاً عليه أن النقط التي في سطح الجليدية التي أبعادها من السهم متساوية إذا وصلت إلى سطح الزجاجية كانت أبعادها من النقطة التي على السهم مختلفة، لأن السهم إذا لم يكن عموداً على سطح الزجاجية، وكان سطح الزجاجية كرياً، فليس يمر هذا السهم بمركز الزجاجية، وهو يمر بمركز سطح الجليدية، فالخطوط التي تخرج من مركز الجليدية إلى النقط التي أبعادها من النقطة التي على السهم من سطح الجليدية أبعاد متساوية تحيط مع السهم عند مركز الجليدية بزوايا متساوية. وإذا كانت هذه الخطوط تحيط عند مركز تحيط مركز الجليدية بزوايا متساوية، وكان مركز الجليدية ليس هو مركز الزجاجية، فإن هذه الخطوط تفصل من سطح الزجاجية قسياً مختلفة، وليس شيء من الخطوط التي تحيط مع السهم بزوايا متساوية، ويكون مع السهم في سطح واحد، يفصل من سطح الزجاجية قوسين متساويين إلا خطان فقط، وهما اللذان في السطح القاطع للسطح القائم على سطح الزجاجية على زوايا قائمة. فإذا كان السهم مائلاً على سطح الزجاجية فإن الصور التي تحصل في سطح الزجاجية تكون مختلفة الترتيب، كان هذا السطح مسطحاً أو كان كرياً وإذا كان السهم عموداً على سطح الزجاجية كان عموداً على جميع الفصول المشتركة، وكان كل خطين يخرجان من مركز الجليدية، الذي هو نقطة من السهم، يحيطان مع السهم بزاويتين متساويتين يفصلان من الفصل المشترك الذي في سطح الزجاجية قسمين متساويين، وكان بعد النقطتين اللتين هما طرفا القسمين المتساويين من الفصل المشترك عن النقطة التي هي على السهم من سطح الزجاجية متساويين، كان سطح الزجاجية مسطحاً أو كرياً. فعلى تصاريف الأحوال ليس تصل الصورة إلى سطح الزجاجية وأوضاع أجزائها على ما هي عليه في سطح المبصر إلا إذا كان السهم قائماً على سطح الزجاجية على زوايا قائمة. والحاس إنما يحس بالصورة على هيئتها التي هي عليها عند وصولها إليه، والحاس إنما يدرك ترتيب أجزاء المبصر على ما هي عليه في سطح المبصر.فليس يصح أن تحصل الصور في سطح الزجاجية وترتيب أجزائها على خلاف ما هي عليه، فليس يصح أن يكون سهم الشعاع مائلاً على سطح الزجاجية، فسهم الشعاع إذن قائم على سطح الزجاجية على زوايا قائمة. وإذ كان هذا السهم قائماً على سطح الزجاجية على زوايا قائمة، فجميع خطوط الشعاع الباقية تكون مائلة على هذا السطح، مستوياً كان هذا السطح أو كرياً، لأن جميعها يقاطع السهم على مركز الجليدية، وليس شيء من هذه الخطوط يمر بمركز سطح الزجاجية إن كان كرياً إلا السهم فقط لأنه عمود عليه ولأن مركز سطح الجليدية ليس هو مركز سطح الزجاجية. فإذا كان قد تبين أن الصور التي تحصل في سطح الجليدية ليس تصل إلى تجويف العصبة إلا بعد أن تنعطف، وأن انعطافها إنما هو عند سطح الزجاجية، وكان السطح قائماً على هذا السطح على زوايا قائمة، وكانت جميع الخطوط الباقية مائلة على هذا السطح، فإن الصور إذا وصلت إلى سطح الزجاجية انعطفت جميع النقط التي فيها ما سوى النقطة التي على السهم فإنها تمتد على استقامة السهم إلى أن تصل إلى موضع الانحناء من تجويف العصبة. فليس شيء من الصور التي تحصل في سطح الجليدية يمتد إلى تجويف العصبة على استقامة إلا النقطة التي على السهم فقط، وجميع النقط الباقية إنما تصل إلى تجويف العصبة على خطوط منعطفة.
فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات، وكان المبصر مقابلاً لوسط البصر، وكان السهم في داخل مخروط الشعاع الذي يحيط بذلك المبصر، فإن صورة ذلك المبصر ترد من سطح المبصر إلى سطح الجليدية على استقامة خطوط الشعاع وتحس بها الجليدية عند حصولها في سطحها، ثم تمتد الصورة من هذا السطح على استقامة خطوط الشعاع إلى أن تصل إلى سطح الرطوبة الزجاجية. فالنقطة التي تكون على السهم تمتد من هذا السطح على استقامة السهم إلى أن تصل إلى موضع الانحناء من تجويف العصبة، وجميع النقط التي على الخطوط الباقية تنعطف على خطوط مقاطعة لخطوط الشعاع ومتشابهة الترتيب إلى أن تصل إلى موضع الانحناء من تجويف العصبة، فتحصل الصورة في هذا الموضع مرتبة كترتيبها في سطح الجليدية وكترتيبها في سطح المبصر، وتكون النقطة منها التي وردت على السهم قد امتدت على استقامة إلى هذا الموضع، وتكون جميع النقط الباقية من الصور إنما وصلت إلى هذا الموضع على خطوط منعطفة. وليس حال الصور المنعطفة كحال الصور الممتدة على استقامة، لأن الانعطاف لا بد ان يغيرها تغيراً ما. فيلزم من هذه الحال أن تكون النقطة من الصورة التي تحصل في موضع الانحناء من تجويف العصبة التي امتدت على استقامة السهم أشد تحققاً من جميع النقط الباقية من الصور.
وأيضاً فإن الانعطاف الذي يكون من النقط التي تحصل في سطح الانعطاف ما كان منها قريباً من السهم يكون انعطافه يسيراً، وما كان منها بعيداً من السهم يكون أشد انعطافاً، لأن الانعطاف إنما يكون بحسب الزوايا التي تحدث بين الخطوط التي ترد عليها الصور وبين الأعمدة التي تقوم على سطح الانعطاف، والخطوط التي تحيط مع العمدة بزوايا أصغر يكون انعطافها على زوايا أصغر، والخطوط التي تحيط مع الأعمدة بزوايا اعظم يكون انعطافها على زوايا أعظم. وخطوط الشعاع ما كان منها قريباُ من السهم يكون ميله على سطح الانعطاف أقل، فهو يحيط مع الأعمدة التي تقوم على سطح الانعطاف بزوايا أصغر. وما كان منها بعيداً عن السهم يكون ميله على سطح الانعطاف أكثر، فهو يحيط مع الأعمدة التي تقوم على سطح الانعطاف بزوايا أعظم.فالنقط التي تكون قريبة من السهم يكون انعطافها أقل من انعطاف النقط البعيدة من السهم وكلما كان من النقط أشد تحققاً وأقل تشعثاً من الصور التي انعطافها أقل تكون اشد تحققاً واقل تشعثاً من الصور التي انعطافها أكثر. فالصور التي تحصل في موضع الانحناء من تجويف العصبة تكون النقطة منها التي على السهم أبين من جميع النقط الباقية وأشد تحققاً، وما فرب منها يكون أشد تحققاً مما بعد.
وهذه الصور هي التي تمتد إلى العصبة المشتركة وهي التي منها يدرك الحاس الأخير صورة المبصر. وإذا كانت هذه الصورة التي تحصل في موضع الانحناء من تجويف العصبة مختلفة الأحوال، والنقطة منها التي وردت على السهم أشد تحققاً من جميع النقط الباقية، وما قرب من هذه النقط اشد تحققاً مما بعد، فالصورة إذن التي تحصل في العصبة المشتركة التي منها تدرك القوة الحساسة صورة المبصر تكون مختلفة الأحوال، والنقطة منها النظيرة للنقطة التي عليها السهم من سطح المبصر تكون أشد تحققاً من جميع النقط الباقية من الصورة، وما قرب من هذه الصور يكون أشد تحققاً مما بعد. فصور المبصرات التي يدركها البصر ما كان منها عند السهم يكون أبين منها عند الحس واشد تحققاً مما كان عند أطراف الخطوط الباقية من خطوط الشعاع، وما كان عند أطراف الخطوط القريبة من السهم يكون أبين مما كان عند أطراف الخطوط البعيدة من السهم.
فإذا استقرئت أحوال المبصرات، وميزت كيفية إدراك البصر للمبصرات التي يدركها البصر معاً، وكيفية إدراك البصر لأجزاء المبصر الواحد، وجدت أحوالها موافقة للمعنى الذي حددناه ومطردة لا تختلف ولا تنتقض. وذلك أن الناظر إذا قابل في الوقت الواحد مبصرات كثيرة، وسكن بصره ولم يحركه، فإن ما كان من تلك المبصرات مقابلاً لوسط بصره يجده أبين مما يكون عن جوانب ذلك المتوسط، وما كان قريباً من المتوسط يكون أبين مما يكون بعيداً عنه. وكذلك إذا نظر الناظر إلى مبصر فسيح الأقطار وقابل ببصره وسط ذلك المبصر وسكن بصره، فإنه يدرك وسط ذلك المبصر أبين مما يدرك أطرافه وحواشيه. ويتبين هذا المعنى بياناً واضحاً إذا كانت أشخاص كثيرة أو مبصرات كثيرة، وكانت تلك المبصرات متتالية، وكانت على مسافة معترضة للبصر، وكان الناظر مقابلاً لشخص منها متوسط بين تلك الأشخاص الباقية ونظر الناظر إلى الشخص المتوسط وسكن بصره، فإنه يدرك ذلك الشخص إدراكاً بيناً محققاً، ويدرك مه ذلك أيضاً الأشخاص الباقية التي عن جنبتي ذلك الشخص ولكن إدراكاً ليس في غاية البيان، ويحس بما قرب من المتوسط أبين مما يحس بالبعيد منه. وتظهر هذه الحال ظهوراً أبين إذا كانت المسافة التي عليها تلك الأشخاص طويلة وكان بين المتطرف من تلك المبصرات وبين المتوسط منها مسافة مقتدرة، فإن المبصرات التي يدركها الناظر على هذه الصفة يكون بين إدراكه المتوسط منها وبين إدراكه المتطرف عند سكون البصر تفاوت ظاهر.
ثم إن حرك الناظر بصره وقابل بوسطه مبصراً آخر من تلك المبصرات غير ذلك المبصر الذي كان مقابلاً له، فإنه يدرك هذا الثاني إدراكاً بيناً، ويصير إدراكه للأول إدراكاً ضعيفاً. وإن قابل ببصره الشخص المتطرف من تلك الأشخاص وحقق التحديد إليه أدركه إدراكاً أبين مما كان يدركه مع ذلك الشخص المتوسط في هذه الحال إدراكاً ضعيفاً مع قربه منه، ويكون بين إدراكه للمبصر المتوسط في حال مقابلته للمتطرف وبين إدراكه لذلك المتوسط في حال مقابلته له تفاوت ظاهر محسوس.
وكذلك إذا نظر الناظر إلى جسم فسيح الأقطار، وكان بين أطرافه وبين وسطه أبعاد مقتدرة، وقابل بوسط بصره وسط ذلك المبصر، وسكن بصره وتفقد إدراكه لذلك المبصر، فإنه يجد إدراكه لوسط ذلك المبصر أبين من إدراكه لأطرافه، ويجد بين الإدراكين تفاوتاً ظاهراً، ويجد ما قرب من الوسط من أجزائه أبين مما بعد عن الوسط. وإن حرك بصره وقابل جزءاً غير ذلك الجزء من المبصر صار إدراكه للجزء الثاني أبين من إدراكه لذلك الجزء في الحالة الأولى، وصار إدراكه للجزء الأول أضعف من إدراكه له في الحالة الأولى.
فيتبين من هذا الاعتبار أن الإبصار بوسط البصر وبالسهم الذي حددناه أبين وأشد تحققاً من الإبصار بحواشي البصر وبالخطوط المحيطة بالسهم، وان الإبصار بما قرب من الوسط وبما قرب من السهم أبين من الإبصار بما بعد عن الوسط وعن السهم. فقد تبين بالاستقراء والاستدلال أن الإبصار يكون بسهم مخروط الشعاع أبين من الإبصار بجميع خطوط الشعاع الباقية وان الإبصار بما قرب من السهم أبين من الإبصار بما بعد عنه.


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 29 مارس 2017 - 19:46