المقالة الثانية [إدراك التفرق والإتصال والعدد والحركة والسكون]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1577
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الثانية [إدراك التفرق والإتصال والعدد والحركة والسكون]

مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة 15 يوليو 2016 - 11:02


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الثانية
تفصيل المعاني التي يدركها البصر
وعللها وكيفية إدراكها

● [ تابع الفصل الثالث ] ●
ما تبقى من إدراك العظم

وقد تبين أن إدراك العظم إنما هو من قياس قاعدة مخروط الشعاع الذي يحيط بالعظم بزاوية المخروط الذي عند مركز البصر وبطول المخروط الذي هو بعد العظم المبصر. وقد تبين أن أبعاد المبصرات منها ما هو متيقن ومنها ما هو مظنون غير متيقن. فالمبصرات التي أبعادها متيقنة فالبصر يدرك أعظامها من قياس أعظامها بالزوايا التي توترها تلك الأعظام عند مركز البصر وبأبعادها المتيقنة. فإدراك مقادير أعظام ما هذه صفته من المبصرات يكون إدراكاً متيقناً. والمبصرات التي أبعادها مظنونة وغير متيقنة يدرك البصر مقادير أعظامها من قياس أعظامها بالزوايا التي توترها تلك الأعظام عند مركز البصر وبأبعادها المظنونة غير المتيقنة. فإدراك مقادير أعظام ما هذه صفته من المبصرات يكون إدراكاً غير متيقن. فإذا أراد الحاس أن يتحقق مقدار عظم مبصر من المبصرات فإنه يحرك البصر على أقطاره فيتحرك سهم الشعاع على جميع أجزاء المبصر. فإن كان بعد المبصر من الأبعاد المتفاوتة فإنه في حال تأمله يظهر للحس التباس صورته ويتبين الحاس أن مقداره غير متيقن. وإن كان بعد المبصر من الأبعاد المعتدلة فإنه في حال تأمله يظهر للحس صحة رؤيته. فإذا تحرك الشعاع على ما هذه صفته من المبصرات فإنه يمسحه مساحة فيدرك أجزاءه جزءاً جزءاً ويتحقق مقادير أجزائه، فيتحقق بالحركة مقدار الجزء من سطح العضو الحاس الذي تحصل فيه صورة ذلك المبصر ومقدار زاوية المخروط المحيط به التي يوترها ذلك الجزء. وإذا أراد أن يتحقق بعده حرك البصر على الجسم المسامت لبعده فيتحقق بالحركة مقدار الجسم المسامت لبعده الذي هو مساو في الحس لأطوال خطوط الشعاع التي هي مقدار بعده. وإذا تحقق الحاس مقدار بعد المبصر ومقدار الزاوية التي يحيط بها المخروط الذي يحيط بالمبصر تحقق مقدار ذلك المبصر.
وحركة السهم على أجزاء المبصر ليس تكون بأن ينحني السهم عن موضع المركز ويتحرك على انفراده على أجزاء المبصر، لأنه قد تبين أن هذا الخط يكون أبداً ممتداً على استقامة إلى موضع انحناء العصبة التي العين مركبة عليها ولا يتغير وضعه من البصر. وإنما جملة العين تتحرك في مقابلة المبصر ويقابل وسط موضع الإحساس من البصر كل جزء من أجزاء المبصر. وإذا تحرك البصر بجملته في مقابلة المبصر وقابل وسط البصر كل جزء من أجزاء المبصر، فإن السهم في هذه الحال يمر بكل أجزاء المبصر وتمتد صورة كل جزء من أجزاء المبصر إلى البصر عند حصول السم عليه على استقامة السهم، ويكون السهم مع ذلك لزماً لوضعه وغير متنقل عن موضعه من جملة العين ويكون انحناؤه في هذه الحال عند حركة جملة البصر من موضع العصبة التي عند مقعر العظم فقط.
وإذا انعمل البصر لتأمل المبصر وابتدأ بالتأمل من طرف المبصر صار طرف السهم على الجزء المتطرف من المبصر فيصير في هذه الحال جمهور صورة المبصر في جزء من سطح البصر مائل عن السهم إلى جهة واحدة، ما سوى الجزء الذي عليه السهم فإن صورته تكون في وسط البصر وفي موضع السهم من البصر، وتكون بقية الصورة مائلة إلى جهة واحدة عن السهم. ثم إذا تحرك البصر من بعد هذه الحال على قطر من أقطار المبصر، انتقل إلى الجزء الذي يلي ذلك الجزء من ذلك القطر، وصارت صورة الجزء الأول مائلة إلى الجهة الأخرى المقابلة للجهة التي تحرك إليها السهم. ثم لا تزال الصورة تميل كلما تحرك السهم على ذلك القطر إلى أن ينتهي السهم إلى آخر ذلك القطر من المبصر وإلى الجزء المتطرف من المبصر المقابل للجزء الأول، فتصير صورة جملة المبصر في هذه الحال مائلة إلى الجهة المقابلة للجهة التي كانت مائلة إليها في الأول، ما سوى الجزء الأخير المتطرف فإنه يكون على السهم وفي وسط البصر.
والسهم في جميع هذه الحركة لازم لوضعه من البصر، وهذه الحركة تكون في غاية السرعة وتكون في الأكثر غير محسوسة لسرعتها، وليس ينطبق السهم في حركته على نهايات الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر ولا يقطع عرض الزاوية التي يوترها قطر من أقطار المبصر، لأن ذلك ليس يكون إلا إذا كان السهم على انفراده متحركاً وجملة العين ساكنة، وليس ذلك ممكناً، بل جملة العين هي التي تتحرك عند التأمل والسهم يتحرك بحركتها، وإنما يدرك الحاس مقدار الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر من إدراكه لمقدار الجزء من سطح البصر الذي تتشكل فيه صورة المبصر وتخيله للزاوية التي يوترها ذلك الجزء من مركز البصر.
وحاسة البصر مطبوعة على إدراك مقادير أجزاء البصر التي تتشكل فيها الصورة ومطبوعة على تخيل الزوايا التي توترها هذه الأجزاء. وحركة البصر عند تأمل البصر إنما يتحقق بها الحاس صورة المبصر ومقدار عظم المبصر، لأنه بهذه الحركة يدرك كل جزء من أجزاء المبصر بوسطه وبموضع السهم من البصر، وبهذه الحركة تتحرك صورة المبصر على سطح البصر فيتغير الجزء من سطح البصر الذي تحصل فيه الصورة، وتصير صورة المبصر عند الحركة في جزء بعد جزء من سطح البصر. وكلما أدرك الحاس الجزء من المبصر الذي عند طرف السهم فهو يدرك مع ذلك جملة المبصر ويدرك جملة الجزء من سطح البصر الذي تحصل فيه صورة جملة المبصر، ويدرك مقدار ذلك الجزء ويدرك مقدار الزاوية التي يوترها ذلك الجزء عند مركز البصر. فيتكرر على الحاس بحركة التأمل إدراك مقدار الزاوية التي يوترها ذلك المبصر فيتحقق بهذا التكرر مقدار الزاوية ويتحقق صورة المبصر وصورة بعده، وتفهم القوة المميزة مقدار الزاوية ومقدار البعد، فيدرك من مجموعها مقدار عظم المبصر على التحقيق. فعلى هذه الصفة يكون تأمل البصر للمبصرات ويكون تحقق الحاس لمقادير أعظام المبصرات بالتأمل.
وأيضاً فإنه إذا أدرك البصر مقادير أطوال خطوط الشعاع التي بين البصر وبين نهايات المبصر أو بين نهايات أجزاء سطح المبصر، فهو يحس بتساويها واختلافها. فإن كان سطح المبصر الذي يدركه البصر أو المسافة التي يدركها البصر مائلة أحس بميلها من إحساسه باختلاف مقادير أبعاد أطرافها. وإن كان السطح أو المسافة مواجهة أحس بمواجهتها من إحساسه بتساوي أبعاد أطرافها. وإذا أحس بمسل المسافة أو مواجهتها فليس يلتبس على القوة المميزة مقدار عظمها، لأن التمييز يدرك من اختلاف بعدي طرفي المسافة المائلة ميل المخروط المحيط بها، وإذا أحس التمييز بميل المخروط أحس بفضل عظم قاعدته من أجل ميله. وإنما يلتبس مقدار عظم المائل بعظم المواجه إذا كان القياس بالزاوية فقط. فأما إذا كان القياس بالزاوية وبأطوال خطوط الشعاع التي بين البصر وبين أطراف المبصر فليس يلتبس مقدار العظم.
فمقادير أعظام الخطوط والسطوح والمسافات المائلة يدركها البصر من إدراكه لمقادير أبعاد أطرافها وإدراكه لاختلافها. إلا أن أبعد الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى المبصر إذا كان المبصر مائلاً أصغر من أبعد الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى ذلك المبصر بعينه إذا كان مواجهاً. لأن البعد المعتدل بالقياس إلى المبصر هو الذي ليس يخفى منه جزء من المبصر له نسبة محسوسة إلى جملة المبصر. وإذا كان المبصر مائلاً فإن الزاوية التي يحيط بها الشعاعان الخارجان من البصر إلى جزء من أجزاء المبصر المائل قد تكون أصغر من الزاوية التي يحيط بها الشعاعان الخارجان من البصر إلى ذلك الجزء بعينه وإلى ذلك البعد بعينه وإلى ذلك البعد بعينه إذا كان المبصر مواجهاً للبصر. فالجزء الذي له نسبة محسوسة إلى جملة المبصر إذا كان المبصر مائلاً قد يخفى منه ذلك الجزء بعينه إذا كان ذلك المبصر مواجهاً. وإذا كان ذلك كذلك فالبعد المعتدل الذي ليس يخفى منه جزء له نسبة محسوسة إلى جملة المبصر، إذا كان ذلك المبصر مواجهاً، قد يخفى منه جزء له نسبة محسوسة إلى جملة المبصر إذا كان ذلك المبصر مائلاً. فأبعد الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى المبصر المائل أصغر من أبعد الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى ذلك المبصر بعينه إذا كان ذلك المبصر مواجهاً. والمبصر المائل بجملته يخفى من بعد أصغر من البعد الذي يخفى منه ذلك المبصر كان مواجهاً، ويتصاغر مقداره من بعد أصغر من البعد الذي يتصاغر منه مقداره إذا كان مواجهاً.
فأعظام المبصرات التي يتحقق البصر مقاديرها هي التي أبعادها معتدلة وأبعادها تسامت أجساماً مرتبة متصلة، والبصر يدركها من قياسها بزوايا مخروطات الشعاع المحيطة بها وبأطوال خطوط الشعاع التي هي أبعاد أطرافها. والأبعاد المعتدلة بالقياس إلى مبصر من المبصرات تكون بحسب وضع ذلك المبصر في الميل والمواجهة. والزوايا إنما تتحقق وتتحرر بحركة البصر على أقطار سطح المبصر وعلى المسافة التي يريد معرفة عظمها. والبعد يتحقق ويتحرر بحركة البصر على الجسم المسامت لأبعاد أطراف ذلك السطح أو تلك المسافة. وبالجملة فإن المبصر الذي بعده معتدل وبعده مع ذلك يسامت جسماً مرتباً فإن صورته مع صورة بعده يحصلان متشكلين في التخيل معاً في حال ملاحظة المبصر إذا أدرك البصر الجسم المسامت لبعد المبصر في حال إدراكه للمبصر. وإذا حصلت صورة المبصر مع صورة بعده المتيقن متشكلين في التخيل معاً أدركت القوة المميزة عظم المبصر بحسب مقدار صورة بعده المتيقن المقترنة بصورته. والمبصرات التي بهذه الصفة فقط هي التي تدرك مقاديرها بحاسة البصر إدراكاً محققاً. والمبصرات المألوفة التي على الأبعاد المألوفة قد يدرك البصر أعظامها بالمعرفة، ويدرك مقادير أبعادها من قياس أعظامها التي يدركها البصر بالمعرفة بالزوايا التي توترها هذه المبصرات عند مركز البصر في حال إدراك هذه المبصرات. فعلى هذه الصفات التي بيناها تدرك أعظام المبصرات بحاسة البصر.
فإما لم يدرك المبصر من البعد البعيد المتفاوت أصغر من مقداره الحقيقي، ولم يدرك مقدار المبصر من البعد القريب المتفاوت القرب أعظم من مقداره الحقيقي، فإن هذين المعنيين هما من أغلاط البصر ونحن نبينها ونذكر عللهما عند كلامنا في أغلاط البصر.



● [ تابع الفصل الثالث ] ●
إدراك التفرق

فأما التفرق الذي بين المبصرات فإن البصر يدركه من تفرق صورتي الجسمين المبصرين المفترقين اللتين تحصلان في البصر. إلا أن كل جسمين مفترقين فإن التفرق الذي بينهما إما أن يظهر منه ضوء أو جسم متلون مضيء أو يكون موضع التفرق مظلماً لا يظهر ما وراءه. وإذا أدرك البصر جسمين متفرقين وحصلت صورتاهما في البصر فإن صورة الضوء الذي يظهر من التفرق أو صورة لون الجسم المتلون الذي يظهر من التفريق أو الظلمة التي تكون في موضع التفريق تحصل في الجزء من البصر الذي فيما بين صورتي الجسمين المتفرقين اللتين تحصلان في البصر. والضوء واللون أو الظلمة قد يحتمل أن تكون في جسم متوسط بين الجسمين متصل بكل واحد من الجسمين. فإن لم يحس البصر أن الضوء أو اللون أو الظلمة التي في موضع التفرق ليس هو في جسم متصل بالجسمين اللذين عن جنبتيه فليس بتفريق الجسمين. وأيضاً فإن سطح كل واحد من الجسمين المتفرقين منعطف إلى جهة التباعد في موضع التفرق، فربما كان انعطاف سطحي الجسمين أو سطح أحد الجسمين ظاهراً للبصر وربما لم يظهر للبصر. وإذا ظهر انعطاف سطحي الجسمين أو سطح أحد الجسمين للبصر أحس البصر من ذلك بتفرق الجسمين . فالبصر يدرك تفرق الأجسام من إدراكه لأحد المعاني التي ذكرناها: إما من إدراكه الضوء من موضع التفرق مع إحساسه بأن ذلك الضوء من وراء سطحي الجسمين المتفرقين، أو من إدراكه جسماً متلوناً في موضع التفرق مع إحساسه بأن ذلك الجسم غير كل واحد من الجسمين المتفرقين، أو من إدراكه ظلمة موضع التفريق مع إدراك القوة المميزة أن ذلك هو ظلمة وليس هو جسماً متصلاً بالجسمين، أو من إدراكه لانعطاف كل واحد من سطحي الجسمين في موضع التفرق أو انعطاف سطح أحد الجسمين. فجميع ما يدركه البصر من تفرق الأجسام إنما يدركه بالاستدلال من أحد هذه المعاني أو أكثر من واحد منها.
والتفرق قد يكون بين جسمين منفصلين، وقد يكون بين جسمين غير منفصلين وهو أن يكون الجسمان متصلين ببعض أجزائهما منفصلين ببعضهما، كالأنامل وأعضاء الحيوان وكثير من الجدران وكأغصان الشجر. وعلى كلى الحالين فالبصر إنما يدرك التفرق على الوجوه التي بيناها كان الجسمان المتفرقان منفصلين بالكلية أو كانا متصلين ببعض أجزائهما مفترقين ببعضهما. وقد يدرك تفرق الأجسام بالمعرفة وبتقدم العلم، ولكن ليس ذلك الإدراك بإحساس البصر.
وتفرق الأجسام منه ما هو فسيح وفيه سعة ومنه ما هو ضيق ويسير. فالتفرق الفسيح ليس يخفى عن البصر في أكثر الأحوال ولا يشتبه على البصر لظهور الجسم المسامت للتفرق وإحساس البصر به وبأنه غير كل واحد من الجسمين المتفرقين، أو أدرك الضوء والفضاء المضيء المسامت للتفرق. فأما التفرق اليسير والغضون الضيقة فإنما يدركها البصر من البعد الذي ليس يخفى منه الجسم المساوي مقداره لمقدار سعة التفرق. فأما إذا كان التفرق بين الجسمين ضيقاً خفياً، وكان بعد الجسمين عن البصر بعداً قد تخفى من مثله الأجسام التي مقاديرها كمقدار سعة التفرق، فليس يدرك البصر تفرقها وإن كان بعد الجسمين عن البصر من الأبعاد المعتدلة وكان البصر يدرك الجسمين إدراكاً صحيحاً. لأن البعد المعتدل إنما هو البعد الذي ليس يخفى منه مقدار محسوس النسبة إلى مقدار جملة البعد، والإدراك الصحيح هو الذي ليس بينه وبين حقيقة المبصر تفاوت محسوس النسبة إلى جملة البصر. والتفرق قد تكون سعته بمقدار ليس له نسبة محسوسة إلى بعد المبصر ولا قدر محسوس عند كل واحد من الجسمين المتفرقين، لأن التفرق ربما كان بمقدار ما تستره شعرة أو قريباً من ذلك، وليس تخرجه هذه الحال من أن يكون تفرقاً، فالأبعاد التي منها يدرك البصر التفرق تكون بحسب مقدار سعة التفرق. فالتفرق بين المبصرات يدركه البصر على الصفات التي بيناها.



● [ تابع الفصل الثالث ] ●
إدراك الاتصال

فأما الاتصال فإن البصر يدركه من عدم التفرق. فإذا لم يحس البصر في الجسم بشيء من التفرق أدركه متصلاً. وإن كان في الجسم تفرق خفي ولم يدركه البصر، فإن البصر يدرك ذلك الجسم متصلاً، وإن كان فيه تفرق. فالاتصال إنما يدركه البصر من عدم التفرق.
والبصر يدرك التماس أيضاً، ويفرق بين التماس والاتصال ، من إدراكه لاجتماع نهايتي الجسمين مع العلم بأن كل واحد من الجسمين منفصل عن الآخر. وليس يحكم البصر بالتماس إلا بعد العلم بأن كل واحد من الجسمين المتماسين غير الآخر منفصل عن الآخر، فإن الفصل الذي بين المتماسين قد يوجد متله في الأجسام المتصلة. فإن لم يحس الحاس أن كل واحد من الجسمين المتماسين غير الأخر ومنفصل عنه لم يحس بالتماس وحكم بالاتصال.



● [ تابع الفصل الثالث ] ●
إدراك العدد

فأما العدد فإن البصر يدركه بالاستدلال من المعدودات. وذلك أن البصر قد يدرك عدة من المبصرات المتفرقة معاً في وقت واحد. وإذا أدرك البصر المبصرات المتفرقة وأدرك تفرقها فقد أدرك أن كل واحد منها غير الآخر. وإذا أدرك أن كل واحد منها غير الآخر فقد أدرك الكثرة. وإذا أدرك الكثرة فالقوة المميزة تدرك من الكثرة العدد. فالعدد يدرك بحاسة البصر من إدراك البصر لعدة من المبصرات المتفرقة إذا أدركها البصر معاً وأدرك تفرقها وأدرك أن كل واحد منها غير الآخر. فعلى هذه الصفة يدرك العدد بحاسة البصر.



● [ تابع الفصل الثالث ] ●
إدراك الحركة

فأما الحركة فالبصر يدركها بالاستدلال من قياس المتحرك إلى غيره من المبصرات. وذلك أن البصر إذا أدرك المبصر المتحرك وأدرك معه غيره من المبصرات فإنه يدرك وضعه من تلك المبصرات ومسامتته لتلك المبصرات. وإذا كان المبصر متحركاً وكانت تلك المبصرات غير متحركة بحركة ذلك المبصر المتحرك فإن وضع ذلك المبصر المتحرك يختلف عند تلك المبصرات في حال تحركه. وإذا كان البصر يدركه ويدرك تلك المبصرات معه ويدرك وضعه من تلك المبصرات أدركته حركته. فالحركة يدركها البصر من إدراكه لاختلاف وضع المبصر المتحرك إلى عدة من المبصرات، أو من قياس المبصر المتحرك إلى مبصر واحد بعينه، أو من قياس المبصر المتحرك إلى البصر نفسه. أما قياس المبصر المتحرك إلى عدة من المبصرات، فإن البصر إذا أدرك المبصر المتحرك وأدركه مسامتاً لمبصر من المبصرات، ثم أدركه مسامتاً لمبصر آخر غير ذلك المبصر مع ثبوت البصر في موضعه، فإنه يحس بحركة ذلك المبصر. وأما قياس المبصر المتحرك إلى مبصر واحد بعينه، فإن البصر إذا أدرك المبصر المتحرك وأدرك وضعه من مبصر آخر، ثم أدرك وضعه قد تغير عند ذلك المبصر الآخر بعينه، إما بأن يبعد عنه بأكثر من بعده الأول، وإما بأن يقرب منه، وإما بأن يكون في جهة من الجهات بالقياس إلى ذلك المبصر فيصير في جهة غيرها بالقياس إليه بعينه مع ثبوت البصر في موضعه، وإما يتغير وضع جزء من أجزاء المبصر المتحرك بالقياس إلى ذلك المبصر أو تغير وضع أجزائه بالقياس إلى ذلك المبصر وعلى هذه الصفة الأخيرة يدرك البصر حركة المبصر المتحرك على الاستدارة إذا قاسه إلى مبصر آخر، فإذا أدرك البصر وضع المبصر المتحرك أو وضع المتحرك أو وضع أجزائه أو وضع جزء من أجزائه قد تغير بالقياس إلى مبصر آخر فقد أدرك حركة المبصر المتحرك.
وأما قياس المبصر المتحرك إلى البصر نفسه، فإن البصر إذا أدرك المبصر المتحرك فإنه يدرك جهته ويدرك بعده. وإذا كان البصر ساكناً والمبصر متحركاً فإن وضع المبصر المتحرك بالقياس إلى البصر. فإن كانت حركة المبصر على مسافة معترضة فإن جهته تتغير ويحس بتغير جهته. وإذا أحس البصر بتغير جهته مع سكون البصر أحس بحركته. وإن كانت حركة المبصر على السمت الممتد بينه وبين البصر، وكانت حركته في جهة التباعد أو في جهة التقارب، فإنه يبعد عن البصر أو يقرب منه. وإذا أحس البصر ببعده عنه أو قربه منه مع ثبوت البصر في موضعه، فهو يحس بحكته. وإن كانت حركة المبصر على الاستدارة فإن الجزء منه الذي يلي البصر ويتبدل. وإذا تغير ما يلي البصر من أجزاء البصر بتغيرها مع ثبوت البصر في موضعه أحس بحركة المبصر. فعلى هذه الصفات يدرك البصر الحركة إذا كان ثابتاً في موضعه. البصر متحركاً. وذلك يكون إذا أحس البصر باختلاف وضع المبصر المتحرك مع إحساسه بأن ذلك الاختلاف ليس هو من أجل حركة البصر. وفرق في الحال بين اختلاف الوضع الذي يعرض لذلك المبصر من أجل حركة المبصر نفسه وبين اختلاف الوضع الذي يعرض لذلك المبصر من أجل حركة المبصر نفسه وبين اختلاف الوضع الذي يعرض له من أجل حركة البصر. فإذا أحس البصر باختلاف وضع المبصر المتحرك، وأحس بأن اختلاف وضعه ليس هو من أجل حركة البصر، أحس بحركة المبصر. وقد تتحرك صورة المبصر المتحرك في البصر من أجل حركته، ولكن ليس يدرك البصر حركة المبصر من تحرك صورته في البصر فقط. وليس يدرك البصر الحركة إلا بقياس المبصر المتحرك إلى غيره على الوجوه التي بيناها. وذلك أن المبصر الساكن قد تحركت صورته في البصر مع سكونه، ولا يدركه البصر من أجل ذلك متحركاً. لأن البصر إذا تحرك في مقابلة المبصرات عند تأمل المبصرات فإن صورة كل واحد من المبصرات المقابلة للبصر تتحرك في سطح البصر عند حركته ما كان منها ساكناً وما كان منها متحركاً والبصر قد ألف حركة صور المبصرات في سطحه مع سكون المبصرات، فليس يحكم بحركة المبصر من أجل حركة صورته إلا إذا حصل في البصر صورة آخر وأدرك البصر اختلاف وضع صورة المبصر المتحرك بالقياس إلى صورة المبصر الآخر أو من تبدل الصور في الموضع الواحد من البصر الذي يكون من حركة الاستدارة. فليس يدرك البصر الحركة إلا على الوجوه التي فصلناها.
والبصر يدرك حركة المبصر ويدرك كيفية حركته. أما إدراكه للحركة فعلى الصفات التي ذكرناها. وأما إدراكه لكيفية الحركة فمن إدراكه للمسافة التي يتحرك عليها المبصر إذا كان المبصر ينتقل بجملته. ويتحقق البصر كيفية الحركة إذا تحقق شكل المسافة التي يتحرك عليها المبصر المتحرك. وإذا كان المبصر يتحرك على نفسه حركة مستديرة فإن البصر يدرك أن حركته مستديرة من إدراكه لتبدل أجزائه التي تلي البصر، أو تبدل أجزائه التي تلي مبصراً من المبصرات، أو من مسامتة جزء من أجزائه لمبصرات مختلفة واحداً بعد واحد، أو لأجزاء مبصر واحد جزءاً بعد جزء مع ثبوت جملة البصر في موضعه.
وإن كانت حركة المبصر مركبة من الاستدارة مع الانتقال من موضعه على مسافة من المسافات، فإن البصر يدرك أن تلك الحركة مركبة من إدراكه لتبدل أجزاء المبصر المتحرك بتلك الحركة بالقياس إلى البصر أو إلى مبصر آخر مع إدراكه لانتقال جملة المبصر من موضعه وتبدل مكانه. فعلى هذه الصفات يدرك البصر كيفيات حركات المبصرات.
وليس يدرك البصر الحركة إلا في زمان، وذلك أن الحركة ليس تكون إلا في زمان وكل جزء من الحركة ليس يكون إلا في زمان. والبصر ليس يدرك حركة المبصر إلا من إدراك المبصر في موضعين مختلفين أو على وضعين مختلفين. ولا يختلف وضع المبصر إلا في زمان، وليس يكون المبصر في موضعين مختلفين ولا على وضعين مختلفين إلا في وقتين مختلفين. وإذا أدرك البصر المبصر في موضعين مختلفين أو على وضعين مختلفين فإن إدراكه له في الموضعين أو على الوضعين إنما يكون في وقتين مختلفين فبينهما زمان، فليس يدرك البصر الحركة إلا في زمان.
فنقول إن الزمان الذي يدرك فيه البصر الحركة ليس يكون إلا محسوساً. وذلك أن البصر إنما يدرك الحركة من إدراك المبصر في موضعين مختلفين موضع بعد موضع، أو على وضعين مختلفين وضع بعد وضع. فإذا أدرك البصر المبصر المتحرك في الموضع الثاني ولم يدركه في تلك الحال في الموضع الأول الذي أدركه فيه من قبل فقد أحس الحاس أن الوقت الذي أدركه فيه في الموضع الأول الذي أدركه فيه من قبل فقد أحس الحاس أن الوقت الذي أدركه فيه في الموضع الثاني غير الوقت الذي أدركه فيه في الموضع الأول. وإذا أحس بأن الوقت الذي أدركه فيه في الموضع الثاني هو غير الوقت الذي أدركه فيه في الموضع الأول فقد أحس باختلاف الوقتين. وكذلك إذا أدرك الحركة من اختلاف وضع المتحرك.لأنه إذا أدرك المتحرك على الوضع الثاني ولم يدركه في تلك الحال على الوضع الأول الذي أدركه عليه من قبل فقد أحس باختلاف الوقتين. وإذا أحس الحاس باختلاف الوقتين فقد أحس بالزمان الذي بينهما. وإذا كان ذلك كذلك فالزمان الذي يدرك فيه البصر الحركة ليس يكون إلا محسوساً.
وإذ قد تبينت جميع هذه المعاني مشروحة فإنا نقتص ما تبين جميعها فنقول: إن البصر يدرك الحركة من إدراكه للمبصر المتحرك على وضعين مختلفين في وقتين مختلفين يكون الزمان الذي بينهما محسوساً، وهذه هي كيفية إدراك البصر للحركة.
والبصر يدرك اختلاف الحركات في السرعة والبطء ويدرك تساوي الحركات من إدراكه للمسافات التي تتحرك عليها المبصرات المتحركة. فإذا أدرك البصر مبصرين متحركين، وأدرك المسافتين اللتين يتحرك عليهما المبصران، وأحس بأن إحدى المسافتين اللتين قطعهما المبصران المتحركان في زمان واحد أعظم من الأخرى، أحس بسرعة حركة المبصر الذي قطع المسافة العظمى. وإذا كانت المسافتان اللتان يتحرك عليهما المبصران وقطعاهما في زمان واحد بتساوي حركتي المتحركين. وكذلك إن أحس بتساوي المسافتين مع اختلاف زماني الحركتين، فإنه يحس بسرعة حركة المتحرك الذي قطع المسافة في زمان أصغر. وكذلك إن قطع المتحركان في زمانين متساويين مسافتين متساويتين، وأحس البصر بتساوي الزمانين وتساوي المسافتين، أحس بتساوي الحركتين. فقد تبين كيف يدرك البصر الحركات وكيف يميز الحركات وكيف يدرك كيفياتها وكيف يدرك تساويها واختلافها.



● [ تابع الفصل الثالث ] ●
إدراك السكون

فأما السكون فإن البصر يدركه من إدراك المبصر في زمان محسوس في موضع واحد على وضع واحد. فإذا أدرك البصر المبصر في موضع واحد على وضع واحد في وقتين مختلفين بينهما زمان محسوس، أدرك المبصر في ذلك القدر من الزمان ساكناً. والبصر يدرك وضع المبصر الساكن بالقياس إلى غيره من المبصرات وبالقياس إلى البصر نفسه. فعلى هذه الصفة يكون إدراك البصر لسكون المبصرات.

● [ لهذا الفصل بقية ] ●


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 29 مايو 2017 - 10:04