المقالة الثانية [ الفصل الرابع ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1644
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الثانية [ الفصل الرابع ]

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت 6 أغسطس 2016 - 11:11


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الثانية
تفصيل المعاني التي يدركها البصر
وعللها وكيفية إدراكها

● [ الفصل الرابع ] ●
تمييز إدراك البصر للمبصرات

قد تبين كيف يدرك البصر كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر. والبصر إنما يدرك صور المبصرات التي هي الأجسام. وصور المبصرات إنما هي مركبة من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها كالشكل والعظم واللون والوضع والترتيب وأمثال ذلك من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها. فالبصر إنما يدرك كل واحد من المعاني الجزئية من إدراكه لصور المبصرات التي هي مركبة من المعاني الجزئية. والبصر يدرك من كل صورة من صور المبصرات جميع المعاني الجزئية التي في الصورة معاً. وليس يدرك البصر شيئاً من المعاني الجزئية منفرداً، لأنه ليس ينفرد واحد من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها متحداً لا يقترن به غيره، لأن جميع المعاني الجزئية التي تقدم بيانها ليس توجد إلا في أجسام، والجسم ليس ينفرد بمعنى واحد من هذه المعاني دون غيرها، بل ليس يخلو واحد من الأجسام من أن يجتمع فيه عدة من المعاني الجزئية المدركة بحاسة البصر. فالبصر إنما يدرك صور المبصرات، وكل واحدة من صور المبصرات مركبة من عدة من المعاني الجزئية، فالبصر يدرك في كل واحدة من صور المبصرات عدة من المعاني الجزئية منفرداً في التخيل والتمييز. فالبصر يدرك كل واحد من المعاني الجزئية عند ملاحظة المبصر مقترناً بغيره من المعاني الجزئية، ثم من تمييزه للمعاني التي في الصورة يدرك كل واحد من المعاني على انفراده.
وقد تبين بالتفصيل والتحرير كيف يدرك البصر صور المبصرات التي هي مركبة من المعاني الجزئية الذي هو إدراك المعاني الجزئية المجتمعة في الصورة معاً. والمعاني الجزئية التي منها تتألف صور المبصرات منها ما يظهر في حال ملاحظة البصر للمبصر ومنها ما ليس يظهر إلا بعد التفقد والتأمل. ومثال ذلك النقوش الدقيقة وحروف الكتابة والوشوم والغضون واختلاف الألوان المتقاربة الشبه. وجميع المعاني اللطيفة ليس تظهر للبصر في حال ملاحظة البصر، وليس تظهر إلا بعد التفقد والتأمل. وحقيقة صورة المبصر التي تدرك بحاسة البصر هي التي تتقوم من جميع المعاني الجزئية التي تكون في صورة المبصر التي يصح أن يدركها البصر. وليس تدرك حقيقة صورة المبصر التي يصح أن يدركها البصر إلا بإدراك جميع المعاني الجزئية التي تكون في صورة المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فحقيقة صورة المبصر الذي فيه معان لطيفة ليس يدركها البصر إلا من بعد التفقد والتأمل.
وأيضاً فإنه إذا كان البصر ليس يدرك المعاني اللطيفة إلا بالتفقد والتأمل، وليس تظهر المعاني اللطيفة للبصر في حال الملاحظة، فإن البصر إذا أدرك مبصراً من المبصرات وأدرك صورته، ولم يكن في ذلك المبصر شيء من المعاني اللطيفة، ولم يدرك البصر في صورته شيئاً من المعاني اللطيفة، فإنه ليس يتحقق الحاس مع ذلك أن ليس في ذلك المبصر معان لطيفة، إذ كانت المعاني اللطيفة ليس تظهر إلا بالتأمل. فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات، ولم يكن في ذلك المبصر شيء من المعاني اللطيفة، فهو يدرك صورته الحقيقية، ولكن ليس يتحقق أن تلك هي صورته الحقيقية. وليس يتحقق أن تلك هي صورته الحقيقية إلا بعد أن يتفقد كل جزء من أجزاء ذلك المبصر ويتحقق أنه ليس فيها شيء من المعاني اللطيفة. ومن بعد تفقد جميع أجزائه يتحقق أن الذي أدركه هو صورته الحقيقية.
فعلى تصاريف الأحوال ليس يتحقق البصر صورة المبصر إلا بتفقد جميع أجزاء المبصر وتأمل جميع المعاني التي يصح أن تظهر من المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فحقائق صور المبصرات التي يدركها البصر ليس تدرك إلا بالتأمل.
وإذ وقد تبين ذلك فإننا نقول إن إدراك البصر للمبصرات يكون على وجهين، إدراكاً بالبديهة وإدراكاً بالتأمل. وذلك أن البصر إذا لحظ المبصر فإنه يدرك منه المعاني الظاهرة التي فيه في حال ملاحظته. ثم ربما تأمله من بعد ذلك وربما لم يتأمله. فإن تأمله واستقرأ جميع أجزائه تحقق صورته. وإن لم يتأمله ويتفقد جميع أجزائه فقد أدرك منه صورة غير محققة إما هي صورته الحقيقية، وليس يتحقق أنها صورته الحقيقية، وإما هي غير صورته الحقيقية. وكثيراً ما يدرك البصر المبصر وينصرف عنه من غير تأمل. فإذا أدرك البصر المبصر ولم يتأمله فإنه يدرك منه صورة غير محققة، وهو يدركها بالبديهة. وإذا أدرك البصر المبصر وتأمله فهو يدرك منه صورة محققة ويكون إدراكها بالتأمل. وإذا كان ذلك كذلك فإدراك البصر للمبصرات يكون على وجهين، إدراك بالبديهة وإدراك بالتأمل. والإدراك بالبديهة هو إدراك غير محقق والإدراك غير محقق والإدراك بالتأمل هو الذي به تحقق صور المبصرات.
وإذ قد تبين ذلك فإنا نقول إن التأمل الذي به تدرك حقائق صور المبصرات يكون بالبصر نفسه ويكون بالتمييز. وذلك أنه قد تبين في تمييز خطوط الشعاع أن الصور التي يدركها البصر من سهم الشعاع وما قرب من السهم تكون أبين وأشد تحقاً مما يدرك من السموت الباقية. فإذا قابل البصر مبصراً من المبصرات ولم يكن المبصر في غاية الصغر، بل كان حجمه مقتدراً، وثبت البصر في مقابلته ولم يتحرك عليه في حال ملاحظته، فإن ما قابل وسط البصر من ذلك المبصر وكان على السهم وعلى ما قرب من السهم يكون أبين من بقية أجزاء المبصر. والبصر يحس بهذه الحال لأنه إذا أدرك جملة المبصر فإنه يجد الموضع المقابل لوسطه الذي تحصل صورته في وسط البصر أبين من الأجزاء الباقية.
وقد تبين من قبل أن هذا المعنى يظهر للحس إذا كان المبصر فسيح الأقطار. فإذا أدرك البصر المبصر وأدرك جملته فإنه يجد صورة الجزء المقابل لوسطه أبين من جميع الأجزاء الباقية. فإذا أراد أن يتحقق صورة المبصر فهو يتحرك ويقابل بوسطه كل جزء من أجزاء المبصر وبذلك يدرك صورة كل جزء من أجزاء المبصر إدراكاً بيناً محققاً،كما أدرك الجزء الذي كان مقابلاً لوسطه في حال ملاحظة المبصر. فالحاس إذا أراد أن يتحقق صورة المبصر فإن البصر يتحرك حتى يقابل بوسطه كل جزء من أجزاء المبصر جزءاً بعد جزء، فيدرك بهذه الحركة صورة كل جزء من أجزاء المبصر على أبين ما يمكن أن يدركه.
والقوة المميزة تميز جميع ما يرد عليها من الصور. فهي تميز ألوان الأجزاء واختلاف ألوانها إذا كانت مختلفة الألوان، وترتيب الأجزاء بعضها عند بعض وتفصيلها وهيئة كل واحد منها، وجميع المعاني التي تظهر بالتأمل من المبصر وهيئة جملة المبصر المتألفة من تلك الأجزاء ومن تلك المعاني. فعلى هذه الصفة يكون تحقق كل جزء من أجزاء المبصر على ما هي عليه وتحقق جميع المعاني التي في المبصر. وليس تتحقق صورة كل جزء من أجزاء المبصر ويظهر جميع المعاني التي في المبصر إلا بعد تحرك البصر على جميع الأجزاء أو مرور السهم أو ما قرب من السهم بكل واحد من تلك الأجزاء. ومع ذلك فإن البصر مطبوع على حركة التأمل وإمرار سهم الشعاع على جميع أجزاء المبصر، فإذا همت القوة المميزة بتأمل المبصر تحرك سهم الشعاع على ميع أجزاء المبصر. وإذا كانت المعاني اللطيفة التي في المبصر ليس تظهر إلا بحركة البصر ومرور السهم أو ما قرب منه خطوط الشعاع على كل جزء من أجزاء المبصر، فليس تحصل صورة المبصر محققة عند الحاس إذا كان حجمه مقتدراً إلا بتحرك البصر ومقابلة كل جزء من أجزاء المبصر بوسط البصر.
وأيضاً فإن المبصر إذا كان في غاية الصغر ولم يكن مقابلاً لوسط البصر فليس يتم تأمله إلا بعد أن يتحرك البصر حتى يمر السهم بذلك المبصر وتحصل صورة ذلك المبصر في وسط البصر وتظهر ظهوراً بيناً. وأيضاً فإنه ليس يدرك جميع المعاني التي تكون في المبصر إلا بتمييز جميع المعاني التي في جميع أجزاء المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فالتأمل الذي به تدرك حقائق صور المبصرات تكون بالبصر نفسه وتكون بالبصر والتمييز معاً. فإدراك البصر لحقيقة صورة المبصر ليس يكون إلا بالتأمل. والتأمل الذي به تتحقق صورة المبصر ليس يتم إلا بتحرك البصر. وإذا كان حجم المبصر مقتدراً فليس يتم تأمله إلا بتحرك سهم الشعاع أو ما قرب منه من خطوط الشعاع في جميع أقطار المبصر. وإلى هذا المعنى ذهب من رأى أن الإبصار ليس يكون إلا بحركة وأنه ليس شيء من المبصرات يبصر جميعاً معاً، فإنه إنما أراد الإبصار المحقق الذي ليس يكون إلا بالتأمل وبحركة البصر وبحركة سهم الشعاع في جميع أقطار المبصر.
فأما كيف يتحقق الحاس بالتأمل والحركة صورة المبصر فالبصر إذا قابل المبصر فإنه في حال مقابلته وحصول الصورة في البصر فإن الحاس يدرك جملة الصورة إدراكاً مجملاً ويدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكاً بيناً على غاية ما يصح أن يدرك ذلك الجزء، ويدرك مع ذلك في هذه الحال كل جزء من الأجزاء الباقية التي في الصورة إدراكاً ما. ثم إذا تحرك البصر وانتقل السهم من الجزء الذي كان عليه إلى جزء آخر أدرك الحاس في هذه الحال صورة جملة المبصر إدراكاً ثانياً وأدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكاً ثانياً أيضاً ومع ذلك يكون إدراكه لهذا الجزء الذي عند طرف السهم في الحال الثانية أبين من إدراكه في الحال الأولى. وفي هذه الحال فإن الحاس يدرك أيضاً الأجزاء الباقية إدراكاً ما. وكذلك إذا انتقل السهم بالحركة إلى جزء ثالث فإن الحاس يدرك في الحال الثالثة جملة المبصر إدراكاً ثالثاً، ويدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكاً ثالثاً أيضاً، ويكون إدراكه لهذا الجزء في هذه الحال أبين من إدراكه في الحالتين الأوليين، ومع ذلك فإن الحاس في هذه الحال يدرك أيضاً كل جزء من الأجزاء الباقية إدراكاً ما. فبحركة البصر على أجزاء المبصر تحصل للحاس حالتان: إحداهما تكرر جملة المبصر ولك جزء من أجزاء المبصر، والحال الثانية أنه يدرك كل جزء من أجزاء المبصر بسهم الشعاع وما قرب من السهم على أبين ما يمكن أن يدركه، فيظهر للحس بهذا التبيين جميع ما يصح أن يظهر من تلك الأجزاء. وإذا تكرر إدراك الحس لجملة المبصر ولكل جزء من أجزاء المبصر، وظهر جميع ما يصح أن يظهر لهمن ذلك المبصر، أدرك بهذه الحال جميع ما يصح أن يدركه من ذلك المبصر ومع ذلك إدراكاً مكرراً.
وفي تضاعيف هذه الجملة وهذا التكرر فالقوة المميزة تميز جميع ما يظهر من ألوان الأجزاء وأعظامها وأبعادها وأشكالها وأوضاعها وتساوي ما يتساوى منها في هذه المعاني واختلاف ما يختلف منها في جميع هذه المعاني أو في بعضها ومن ترتيب الأجزاء بعضها عند بعض، وتدرك من تمييز جميع هذه المعاني ومن قياس هذه المعاني بما تعرفه من أمثالها الهيئة المتألفة من جميع ذلك لجملة المبصر، فيتحرر بالتكرر والتبيين والتمييز جميع المعاني التي في المبصر ويتشكل في التخيل الهيئة التي تتألف من جميع تلك المعاني لجملة المبصر. وإذا تحررت جميع المعاني التي في المبصر وتشكلت في التخيل الهيئة التي تتألف من جميع تلك المعاني لجملة المبصر تحققت صورة المبصر التي بها يتخصص ذلك المبصر عند الحاس. فعلى هذه الصفة يتحقق الحاس بالتأمل صور المبصرات.
وأيضاً فإننا نقول إن البصر إذا أدرك مبصراً من المبصرات وتحققت صورته عند الحاس فإن صورة ذلك المبصر تبقى في النفس وتكون متشكلة في التخيل، وإذا تكرر إدراك البصر للمبصر كانت صورته أثبت في النفس من صورة المبصر الذي لم يدركه البصر إلا مرة واحدة أو لم يكثر إدراك البصر له، وإن البصر إذا أدرك شخصاً من الأشخاص ثم أدرك أشخاصاً أخر من نوع ذلك الشخص وتكرر إدراكه لأشخاص ذلك النوع واستمر ذلك دائماً وتقررت صورة ذلك النوع في النفس وحصلت في النفس صورة كلية متشكلة في التخيل لذلك النوع. والذي يدل على أن صور المبصرات تبقى في النفس وفي التخيل هو أن الإنسان إذا تذكر إنساناً يعرفه وقد شاهده من قبل ذلك واجتمع معه وتحقق صورته وكان ذاكراً للوقت الذي شاهد فيه ذلك الإنسان والموضع الذي اجتمع معه فيه ذكراً صحيحاً، فإنه يتخيل في الحال شخص ذلك الإنسان وتخطيط وجهه وهيئته ونصبته التي كان عليها في ذلك الوقت، ويتخيل الموضع الذي شاهده فيه، وربما تخيل في الحال مبصرات أخر قد كانت حاضرة في الموضع الذي شاهد فيه ذلك الإنسان. فتخيله صورة ذلك الإنسان عند تذكره وصورة الموضع الذي شاهده فيه والحال التي كان عليها مع غيبة ذلك الإنسان وغيبة ذلك الموضع دليل ظاهر على أن صورة ذلك الإنسان وصورة ذلك الموضع حاصلة في نفسه وباقية في تخيله. وكذلك إذا تذكر الإنسان بلداً قد شاهده ثم غاب عنه، فإنه يتخيل صورة ذلك البلد وصورة المواضع التي كان فيها من ذلك البلد وصور الأشخاص الذي عرفهم في ذلك البلد، إذا كان ذاكراً لجميع ذلك مع غيبة ذلك البلد وغيبة ما شاهده فيه. وكذلك ما شاهده الإنسان من المبصرات إذا تذكرها وكان ذاكراً لمشاهدته لها ذكراً صحيحاً فإنه يتخيل صورها على ما شاهدها عليه في وقت مشاهدتها. فتخيل الإنسان لصور المبصرات التي قد شاهدها من قبل وهي غائبة عنه في حال تذكرها دليل ظاهر على أن صور المبصرات التي قد أدركها البصر تحصل في النفس وتتشكل في التخيل.
فأما أن صورة المبصر الذي يتكرر إدراك البصر له تكون أثبت في النفس وفي التخيل من صورة المبصر الذي لم يتكرر إدراك البصر له فإن ذلك لأن النفس إذا ورد عليها معنى من المعاني حصلت صورة ذلك المعنى في النفس. فإذا تمادى الزمان على ذلك المعنى ولم يعد مرة ثانية على النفس ربما أنسيت النفس ذلك المعنى أو أنسيت بعض المعاني التي فيه. فإذا عاد ذلك المعنى على النفس قبل نسيانه وقبل نسيان المعاني التي فيه أو جمهورها تجددت صورة ذلك المعنى في النفس، فذكرت النفس بالصورة الثانية الصورة الأولى وقرب عهد النفس بذلك المعنى من الصورة الثانية. فإذا تكرر ورود المعنى على النفس مرات كثيرة كانت النفس لذلك المعنى أذكر وبه آنس وكان ذلك المعنى أثبت في النفس.
وأيضاً فإنه في أول مرة يرد المعنى على النفس أو ترد صورة المبصر على النفس ربما لم تدرك النفس جميع المعاني التي في تلك الصورة ولم تتحققها وأدركت بعض المعاني التي فيها، فإذا عادت الصورة مرة ثانية أدركت النفس منها ما لم تكن أدركته في المرة الأولى. وكلما تكررت الصورة على النفس ظهر منها ما لم يكن ظهر إذا لم يكن ظهر فيها جميع المعاني التي فيها في أول مرة. وإذا أدركت النفس من الصورة دقائق معانيها وجميع ما فيها وتحققت صورتها كانت أبين في النفس وأثبت في التخيل من الصورة التي لم تدرك النفس جميع المعاني التي فيها في أول مرة ثم تكرر ورود الصورة عليها، ولم تدرك فيها بعد المرة الأولى معنى زائداً، تحققت أن الذي أدركته في أول مرة هو حقيقة صورتها. والصورة المتحققة المتيقنة تكون أثبت في النفس وفي التخيل من الصورة الغير محققة، فصورة المبصر إذا تكرر إدراك البصر لها تحققت صورتها عند النفس وفي التخيل، وتكون النفس بكثرة تكرر الصورة أذكر للصورة وآنس بها، وبتحقق الصورة وذكر النفس لها يكون ثبوت الصورة في النفس وفي التخيل. فلذلك تكون الصورة المتكررة على البصر أثبت في النفس وفي التخيل من الصورة التي لم يكثر إدراك البصر لها.
والذي يدل دليلاً واضحاً على أن المعاني والصور إذا تكررت على النفس كانت أثبت في النفس من المعاني والصور التي لم تتكرر على النفس هو أن الإنسان إذا أراد أن يحفظ علماً من العلوم أو أدباً من الآداب أو خبراً أو ما يجري مجرى ذلك، فإنه يكرر قراءة هذا المعنى مرات كثيرة، فإذا كرر قراءته ثبت في نفسه، وكلما كرره أكثر كان أشد ثبوتاً وأبعد نسياناً، وإذا قرأه مرة واحدة لم يثبت في نفسه، وإن قرأه مرات قليلة أيضاً لم يثبت في نفسه وإن ثبت نسيه سريعاً، وإذا نسي الإنسان شيئاً كان قد حفظه فإنه إذا عاود درسه وكرره مرات كثيرة عاد حفظه لذلك المعنى وثبت في نفسه. فمن الاعتبار بهذا المعنى يتبين بياناً واضحاً أن الصور التي ترد على النفس كلما تكررت كانت أثبت في النفس وفي التخيل من الصور التي لم يتكرر ورودها على النفس.
فأما الصور الكلية التي تحصل في النفس لأنواع المبصرات وتكون متشكلة في التخيل فإن لكل نوع من أنواع المبصرات هيئة وشكلاً يتساوى فيها جميع أشخاص ذلك النوع، وتختلف تلك الأشخاص بمعان جزئية مما يدرك بحاسة البصر أيضاً. وربما كان اللون في جميع أشخاص النوع واحداً. والهيئة والشكل واللون وجميع المعاني التي تتقوم منها هيئة كل شخص من أشخاص النوع. والبصر يدرك تلك الهيئة وذلك الشكل ويدرك كل معنى تتساوى فيه أشخاص النوع من جميع الأشخاص التي يدركها من أشخاص ذلك النوع، ويدرك أيضاً المعاني الجزئية التي تختلف بها تلك الأشخاص مع اتفاقها في المعاني الكلية. فبتكرر إدراك البصر لأشخاص النوع الواحد تتكرر عليه الصورة الكلية التي في ذلك النوع مع اختلاف الصور الجزئية التي لتلك الأشخاص. وإذا تكررت الصورة الكلية على النفس ثبتت في النفس واستقرت. ومن اختلاف الصور الجزئية التي ترد مع الصور الكلية عند تكررها تدرك النفس أن الصورة التي تتساوى فيها جميع أشخاص ذلك النوع هي صورة كلية لذلك النوع. فعلى هذه الصفة يكون حصول الصور الكلية التي يدركها البصر من أنواع المبصرات في النفس وفي التخيل.
فصور أشخاص المبصرات وصور أنواع المبصرات التي قد أدركها البصر تبقى في النفس وتثبت في التخيل، وكلما تكرر إدراك البصر لها كانت صورته أثبت في النفس وفي التخيل، ومن الصور الحاصلة في النفس لأنواع المبصرات وأشخاصها تكون معرفة الحاس بالمبصرات . ومعول الحاس واعتماده في إدراك مائيات المبصرات إنما هو على الصور الحاصلة في النفس، لأن إدراك مائيات المبصرات ليس يكون إلا المعرفة، والمعرفة إنما هي من قياس الصورة التي يدركها البصر في الحال بالصورة الثابتة في التخيل من صور المبصرات التي أدركها البصر من قبل ومن إدراك تشبه الصورة المدركة في الحال بإحدى الصور الحاصلة في التخيل. فإدراك مائية المبصر إنما هو إدراك تشبه صورة المبصر بصورة من الصور المستقرة في النفس الثابتة في التخيل لأنواع المبصرات. فمعول الحاس من إدراك مائيات المبصرات إنما هو على الصور الكلية الحاصلة في النفس لأنواع المبصرات ومعوله في معرفة أشخاص المبصرات إنما هو على صور الأشخاص الحاصلة في النفس لكل واحد من الأشخاص التي قد أدركها البصر من قبل وتخيل صورها. والقوة المميزة مطبوعة على تشبيه صور المبصرات في حال الإبصار بالصورة الثابتة في التخيل التي قد اقتنتها النفس من صور المبصرات فإن القوة المميزة تطلب شبهه في الصور الحاصلة في التخيل. فإذا وجدت في التخيل صورة تشبه صورة ذلك المبصر عرفت ذلك المبصر وأدركت مائيته، وإن لم تجد في الصور الحاصلة في التخيل صورة تشبه صورة ذلك المبصر فليس تعرف ذلك المبصر ولا تدرك مائيته. ولسرعة تشبيه القوة المميزة لصورة المبصر في حال الإبصار ربما عرض لها الغلط فتشبه المبصر بغيره من المبصرات إذا كان في المبصر معنى من المعاني هو في ذلك الغير. ثم تأملت ذلك المبصر من بعد هذه الحال وتحققت صورته شبهته بصورته الشبيهة به في الحقيقة، ويتبين لها في الحال الثانية أنها كانت غالطة في التشبيه الأول. فعلى هذه الصفات تدرك مائيات المبصرات بحاسة البصر.
وإذ قد تبينت جميع هذه المعاني فإنا نقول إن إدراك المبصرات بالتأمل يكون على وجهين: إدراكاً بمجرد التأمل وإدراكاً بالتأمل مع تقدم المعرفة. أما الإدراك الذي بمجرد التأمل فهو إدراك المبصرات الغريبة التي لم يميزها البصر من قبل، والمبصرات التي أدركها البصر من قبل وليس هو ذاكراً لمشاهدتها. فإن البصر إذا أدرك مبصراً من المبصرات ولم يكن رأى ذلك المبصر من قبل ذلك الوقت ولم يكن رأى مبصراً من نوعه، وأراد الناظر أن يتحقق صورة ذلك المبصر، فإنه يتأمله ويستقرئ بالتأمل جميع المعاني التي فيه فيدرك بالتأمل صورته الحقيقية التي تدرك بالبصر. فإذا لم يكن رأى ذلك المبصر من قبل ذلك الوقت ولم ير شيئاً من نوعه فإنه عند إدراك صورته ليس يعرف صورته، فهو يقتني بالتأمل صورة حقيقته، ولا يكون مع ذلك قد عرفه، فيكون تحققه لصورة ما هذه صفته من المبصرات إنما هو بمجرد التأمل فقط. وكذلك إذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات وكان قد شاهد ذلك المبصر من قبل ولم يكن ذاكراً لمشاهدته فإنه عند تأمله إذا لم يكن ذاكراً لصورته الأولة فليس يعرف صورته في الحال الثانية فيكون إدراكه للمبصر الذي بهذه الصفة بمجرد التأمل.
فأما الإدراك الذي يكون بالتأمل مع تقدم المعرفة فهو إدراك جميع أنواع المبصرات التي قد أدركها البصر من قبل وأدرك مبصرات من نوعها وحصلت صور أنواعها وأشخاصها في النفس والنفس ذاكرة لها ولصورها إذا استأنفت تأملها مع معرفتها. فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات التي قد أدركها من قبل ذلك الوقت وأدرك شيئاً من أنواعها فإنه في حال ملاحظة ذلك المبصر قد أدرك جملة صورته التي يدركها بالبديهة، ثم باليسير من التأمل قد أدرك جملة هيئته التي هي الصورة الكلية التي تخص نوعه. فإذا كان قد أدرك من قبل ذلك الوقت مبصرات من نوع ذلك المبصر وقد حصلت صورة نوع ذلك المبصر في نفسه وكان ذاكراً للصورة الكلية التي لنوع المبصر، فإنه يعرف الصورة الكلية التي أدركها من ذلك المبصر في حال إدراكها، وفي حال معرفته بالصورة الكلية التي يدركها من ذلك المبصر قد عرف ذلك المبصر بالنوع. ثم إذا تأمل المعاني الباقية التي في ذلك المبصر تحقق صورته الجزئية. فإن لم يكن شاهد ذلك المبصر بعينه قبل ذلك الوقت أو كان شاهده ولم يكن ذاكراً لمشاهدته ولصورته التي أدركها عند المشاهدة الأولة، لم يعرف الصورة الجزئية، وإذا لم يعرف الصورة الجزئية لم يعرف المبصر نفسه، فتكون معرفته لذلك المبصر بالنوع فقط، ويقتني من تأمله وتحقق صورته صورته الجزئية التي تخص شخصه. وإن كان شاهد ذلك المبصر قبل ذلك الوقت مع مشاهدته لأشخاص من نوعه وكان ذاكراً لمشاهدته وللصورة التي أدركها من قبل من ذلك المبصر، فإنه إذا أدرك صورته الجزئية فإنه يعرف الصورة الجزئية في حال إدراكها، وفي حال معرفة الصورة الجزئية قد عرف المبصر، فيتحقق بإدراك صورته الجزئية صورة المبصر، ومع ذلك يعرف المبصر نفسه، وتكون معرفته لذلك المبصر بالنوع وبالشخص جميعاً. وإن كان قد شاهد ذلك المبصر من قبل ولم يشاهد من نوع ذلك المبصر غير ذلك الشخص فقط، ولم تتميز له الصورة الكلية التي لنوع ذلك المبصر، فإنه إذا أدرك ذلك المبصر وأدرك المعاني الكلية التي في ذلك المبصر التي تعم نوع ذلك المبصر فإنه لا يعرف ذلك المبصر ولا يدرك مائيته من إدراك صورته الكلية. فإذا أدرك المعاني الباقية التي في ذلك المبصر وأدرك صورته الجزئية وكان ذاكراً للصورة الجزئية التي أدركها من ذلك المبصر، فإنه يعرف الصورة الجزئية عند إدراكها، وإذا عرف الصورة الجزئية عرف المبصر بعينه وتكون معرفته لذلك المبصر بالشخص نفسه. وليس يدرك شيء من المبصرات بالتأمل إلا على إحدى هذه الصفات. فإدراك جميع المبصرات إذن بالتأمل يكون على وجهين، إدراكاً بمجرد التأمل وإدراكاً بالتأمل مع تقدم المعرفة. والمعرفة قد تكون بالنوع فقط وقد تكون بالنوع وبالشخص معاً.
وأيضاً فإن الإدراك بالتأمل ليس يكون إلا في زمان، لأن التأمل إنما هو بالتمييز وحركة البصر، والتمييز ليس يكون إلا في زمان والحركة ليس تكون إلا في زمان، فالتأمل ليس يكون إلا في زمان. وقد تبين أيضاً فيما تقدم أن الإدراك بالمعرفة والإدراك بالتمييز ليس يكون إلا في زمان، وإذ قد تبين أيضاً فيما تقدم أن الإدراك بالمعرفة والإدراك بالتمييز ليس يكون إلا في زمان، وإذ قد تبين أن إدراك المبصرات بالتأمل يكون بمجرد التأمل ويكون بالتأمل مع تقدم المعرفة، وأن ما يدرك بالتأمل وما يدرك بالمعرفة ليس يدرك إلا في زمان، فإننا نقول إن الإدراك الذي يكون بالتأمل مع تقدم المعرفة يكون في أكثر الأحوال في زمان أقصر من الزمان الذي يكون فيه الإدراك بمجرد التأمل. وذلك أن المعاني القائمة في النفس وحاضرة للذكر ليس يحتاج في معرفتها عند حضورها إلى استقراء جميع المعاني التي منها تتقوم حقيقتها، بل يقنع في إدراكها إدراك معنى من المعاني التي تخصها. فإذا أدركت القوة المميزة من الصورة التي ترد إليها معنى من المعاني التي تخص تلك الصورة وكانت ذاكرة للصورة الأولة، فإنها تعرف بالخاصة جميع الصور التي وردت عليها، لأن كل معنى يخص الصورة فهو أمارة تدل على تلك الصورة.
ومثال ذلك شخص الإنسان إذا أدركه البصر فإنه إذا أدركه البصر فإنه إذا أدرك تخطيط يده فقط قد أدرك أن إنسان قبل أن يدرك تخطيط وجهه وقبل أن يدرك تخطيط بقية أجزائه. وكذلك إن أدرك تخطيط رجله. وكذلك إن أدرك تخطيط وجهه قبل أن يدرك بقية أجزائه. فمن إدراك البصر لبعض المعاني التي تخص هيئة الإنسان قد أدرك أن ذلك المبصر إنسان من غير حاجة إلى إدراك بقية أجزائه، لأنه يدرك بقية أجزائه بتقدم المعرفة من الصور الحاصلة في النفس لهيئة الإنسان. وكذلك الشخص المعين الذي شاهده البصر من قبل إذا أدرك البصر بعض المعاني التي تخص صورته الجزئية كفطسة تكون في أنفه إن كان إنساناً أو زرقة في عينه أو قرنة في حاجبه أو غضون في جبهته، فإنه من إدراك بعض هذه الأمارات مع إدراكه لجملة صورته قد أدرك ذلك الشخص وعرفه. وكذلك الفرس يعرفه بشينة أو ببعض شينة أو ببلقة تكون في موضع منه أو بغرة غي جبهته. وكذلك الكتابة فإن الكاتب الماهر بالكتابة إذا أدرك صورة أبجد فقد أدرك أنها أبجد من جملة صورتها، ومن قبل أن يستقرئ حروفها قد أدرك أنها أبجد. وكذلك جميع كلمات الكتابة التي تتكرر على الكتاب يعرفها الكاتب في حال إدراكها من إدراك بعض حروفها ومن قبل أن يستقرئ كل حرف من حروفها.
والمبصرات التي تقدم إدراك البصر لها وهو عارف بصورها وذاكر لها قد يدركها البصر بالأمارات، وليس كذلك المبصرات الغريبة التي لم يرها البصر من قبل والمبصرات التي قد شاهدها البصر وأنسي مشاهدتها. فإن البصر إذا أدرك مبصراً لم يره من قبل ذلك الوقت، لأنه ليس عنده لبقية أجزائه، فليس يدرك من ذلك البعض مائية ذلك المبصر، لأنه ليس عنده لبقية أجزائه صورة مستقرة، فليس يدرك البصر حقيقة المبصر الذي لم يره من قبل إلا باستقراء جميع أجزائه وجميع المعاني التي فيه. وكذلك المبصر الذي شاهده البصر من قبل وليس هو ذاكراً لمشاهدته ليس يتحقق صورته إلا بعد أن يتأمل جميع المعاني التي فيه. وإدراك بعض المعاني التي في الصورة تكون في زمان أقصر من الزمان الذي تدرك فيه جميع المعاني التي في الصورة. والإبصار الذي يكون بالتأمل مع تقدم المعرفة قد يكون في أكثر الأحوال في زمان أقصر من الزمان الذي يكون فيه الإبصار بمجرد التأمل، ولهذه العلة صار البصر يدرك المبصرات المألوفة إدراكاً في غاية السرعة وفي زمان خفي عن الحس ولا يكون بين مقابلة البصر للمبصر وبين إدراكه لمائية المبصر المألوف زمان محسوس في أكثر الأحوال. وذلك أن الإنسان منذ الطفولية ومنذ مبدأ النشوء يدرك المبصرات وتتكرر عليه أشخاص المبصرات وتتكرر عليه الصور الكلية التي لأنواع المبصرات. وقد تبين أن صور المبصرات التي يدركها البصر تحصل في النفس وتتشكل في التخيل ، وأن الصور التي تتكرر على ابصر تثبت في النفس ويستقر تشكلها في التخيل. فجميع المبصرات المألوفة جميع الأنواع المألوفة وجميع المعاني المشهورة قد حصلت صورها مستقرة في النفس ومتشكلة في التخيل وحاضرة للذكر. فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات المألوفة وأدرك جملة صورته وأدرك من بعد الجملة أمارة تخص ذلك المبصر في حال إدراكه لتلك الأمارة، ويكون إدراكه المبصر بتقدم المعرفة وباليسير من التأمل لاستئناف تأمل جميع المعاني التي فيه في حال إدراكه الذي عرفه فيه. والمبصرات المألوفة يدركها البصر ويدرك مائياتها بالأمارات وبتقدم المعرفة، فيكون إدراكه لمائياتها في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، لأنه يكون باليسير من التأمل ومن إدراكه بعض المعاني التي فيها بالتأمل.
وأيضاً فإن إدراك البصر لنوعية المبصر يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه شخصية المبصر. وذلك أن المبصر إذا أدرك شخصاً من أشخاص الناس فإنه يدرك إنساناً قبل أن يدرك صورته الجزئية التي تخص شخصه. وقد يدرك أنه إنسان وإن لم يدرك تخطيط وجهه بل من انتصاب قامته وترتيب أعضائه قد أدرك أنه إنسان وإن لم يميز وجهه. وكذلك أنواع المبصرات المألوفة يدرك البصر نوعية الشخص منها ببعض الأمارات التي تخص ذلك النوع. وليس كذلك إدراك شخصية المبصر، فإن شخصية المبصر ليس تدرك إلا من إدراك المعاني الجزئية التي تخص شخص المبصر ومن إدراك بعضها. وإدراك المعاني الجزئية التي تخص الشخص ليس تدرك إلا من بعد إدراك المعاني الكلية التي في ذلك الشخص أو إدراك بعضها. وبالجملة فإن المعاني التي في الصورة الكلية التي لنوع الشخص هي بعض المعاني التي في صورته الشخصية. وإدراك البعض يكون في زمان أقل من الزمان الذي يدرك فيه الكل، فإدراك البصر لنوعية المبصر يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه شخصية ذلك المبصر.
وأيضاً فإن المبصرات المألوفة تختلف أزمان إدراك نوعياتها، لأن أنواع المبصرات المألوفة منها ما يشتبه بغيرها من الأنواع ومنها ما ليس يشتبه بغيره. كنوع الإنسان ونوع الفرس: فإن الإنسان ليس تشتبه صورة نوعه بنوع غيره من الحيوان، وليس كذلك الفرس، لأن الفرس يشبهه كثير من الدواب في جملة هيئته. وليس الزمان الذي يدرك فيه البصر من شخص الإنسان نوعيته ويدرك أنه إنسان كالزمان الذي يدرك فيه من شخص الفرس ونوعيته ويدرك أنه فرس، وخاصة إذا كان إدراكه لكل واحد من هذين من بعد مقتدر، لأن البصر إذا أدرك شخص الإنسان متحركاً فإنه في الحال من انتصاب قامته مع حركته قد أدرك أنه إنسان، فمن الحركة يدرك أنه حيوان ومن انتصاب القامة يدرك أنه إنسان. وليس كذلك إذا أدرك شخص الفرس فإن البصر إذا أدرك شخص الفرس وأدركه متحركاً، وأدرك مع جملة ذلك هيئته وعدد قوائمه، فليس يدرك من جميع ذلك أنه فرس، لأن هذه المعاني هي في كثير من ذوات الأربع وهي تساوي الفرس في هذه المعاني وغيرها، وخاصة البغل فإنه يشبه الفرس في أكثر أحواله، وإنما يتميز الفرس عن البغل بمعاني ليست بكل الظاهرة كتخطيط وجهه وامتداد عنقه وسرعة حركته وسعة خطوه. فإن لم يدرك البصر واحداً من هذه المعاني التي يتميز بها الفرس مع إدراكه لجملة هيئته فليس يدرك أنه فرس. وليس الزمان الذي يدرك البصر فيه انتصاب قامة الإنسان كالزمان الذي يدرك فيه هيئة الفرس مع المعاني الجزئية التي يتميز بها الفرس عن غيره. وإدراك البصر لنوعية الإنسان يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه نوعية الفرس، وإن كان الزمانان قصيرين وأحدهما على تصاريف الأحوال يزيد على الآخر.
وكذلك إذا أدرك البصر توريد الورد في بعض البساتين فإنه يدرك في الحال أن ذلك المبصر هو الورد للون الذي يخص الورد مع كونه في البستان، من قبل إدراكه لاستدارة أوراقه وتراصف الأوراق بعضها على بعض، وقبل إدراك جميع المعاني التي تتقوم منها صورة الورد. وإن كان يشبه الورد غيره من الأنوار فإنه يدرك على كل حال أنه نور، لا من ورق الشجر والنبات. وليس كذلك إذا أدرك البصر خضرة الريحان في البستان، فإن البصر إذا أدرك من الريحان خضرته فقط مع كونه في البستان فليس يدرك من إدراك الخضرة فقط أنه ريحان، لأن أكثر النبات أخضر، ومع ذلك فإن كثيراً من النبات يشبه الريحان في الخضرة والشكل، كالنمام وأمثاله من النبات. فإن لم يدرك من الريحان شكل أوراقه وتكاثفها والمعنى الذي يتخصص به الريحان فليس يدرك أنه ريحان. وليس الزمان الذي يدرك فيه البصر أشكال أوراق الريحان والمعاني التي يتخصص بها الريحان، مع إدراك خضرته، كالزمان الذي يدرك فيه من الورد توريده فقط. وكذلك جميع الأنواع المشتبهة، ليس يدرك البصر مائيتها إلا بفضل تأمل، والمبصرات القليلة الشبه يدرك البصر مائيتها باليسير من التأمل. وكذلك الأشخاص، فإن الشخص الذي يعرفه البصر ولا يشبهه غيره من الأشخاص التي يعرفه البصر ويشبهه غيره من الأشخاص التي يعرفها البصر يكون إدراك البصر له بفضل تأمل.
فجميع المبصرات المألوفة يدرك البصر نوعياتها وشخصياتها باليسير من التأمل مع تقدم المعرفة، ويكون إدراكها في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، وتختلف مع ذلك أزمان إدراكها بحسب اختلاف أنواعها واختلاف أشخاصها، ويكون إدراك نوعية الشخص أسرع من إدراك شخصيته، ويكون إدراك نوعية ما يقل شبهه من الأنواع أسرع من إدراك نوعية ما يكثر شبهه، ويكون إدراك شخصية الشخص القليل الشبه أسرع من إدراك شخصية الشخص الكثير الشبه.
وأيضاً فإن زمان التأمل يختلف بحسب المعاني التي تتأمل من المبصرات. ومثال ذلك أن البصر إذا أدرك حيواناً كثير الأرجل وكانت أرجله صغاراً وكان متحركاً، فإن البصر إذا أدركه وتأمله باليسير من التأمل يدرك حركته، وإذا أدرك حركته فقد أدرك أنه حيوان، ثم باليسير من التأمل إذا تأمل أرجله فقد أدرك انه كثير الأرجل من إدراكه للتفرق الذي بين أرجله، ومع ذلك فليس يعرف في الحال كم عدد أرجله، فإن أراد أن يعرف كم عدد أرجله احتاج إلى فضل تأمل وفضل زمان. فإدراكه لحيوانيته يكون في زمان يسير، ثم إدراكه لكثرة أرجله يكون في زمان يسير أيضاً، وعدد أرجله ليس يدركه إلا بعد أن يثبت البصر على واحد واحد من الأرجل ويعدها، وليس يكون ذلك إلا في زمان له قدر، ويكون مقدار الزمان أيضاً بحسب كثرة الأرجل وقتلها. وكذلك إذا أدرك البصر شكلاً مستديراً وكان في داخله شكل كثير الأضلاع وكانت أضلاع ذلك الشكل صغاراً وكان مع ذلك مختلف الأضلاع اختلافاً متقارباً ولم يكن متفاوتاً، فإنه في حال إدراكه لجملة الشكل قد أدرك أنه مستدير، وليس يدرك في الحال أن في داخله شكلاً مضلعاً إن كانت أضلاع الشكل في غاية الصغر. وإذا تأمل الشكل المستدير فضل تأمل ظهر له الشكل المضلع الذي في داخله.فيكون إدراكه لاستدارة الشكل المستدير أسرع من إدراكه للشكل المضلع الذي في داخله. ثم في حال إدراكه للشكل المضلع ليس يظهر اختلاف أضلاع ذلك الشكل ولا يتميز له أنها متساوية أو مختلفة، وليس يظهر اختلاف أضلاع الشكل المضلع، إذا كانت أضلاعه صغاراً وكان الاختلاف الذي بينها متقارباً وليس بالمتفاوت، إلا بفضل تأمل وفي زمان له قدر.
وأيضاً فإن الحاس إذا أراد أن يتأمل شكل جملة المبصر فيكفيه أن يمر البصر على محيط المبصر فقط. وكذلك إذا أراد أن يتأمل لون المبصر فيكفيه أن يمر البصر عليه إمراراً. وكذلك إذا أراد أن يتأمل خشونة سطح المبصر أو ملامسته أو شفيفه أو كثافته فإنه يكفيه أن يمر البصر عليه إمراراً سريعاً. وليس كذلك المعاني الخفية والمعاني اللطيفة التي تكون في المبصرات، كأشكال كل واحد من أجزاء المبصرات وتشابه أشكالها، ومقادير الأجزاء واختلاف الأجزاء واختلاف مقاديرها، واختلاف ألوانها وتشابهها، وترتيب الأجزاء الصغار بعضها عند بعض إن كان في المبصر أجزاء صغار متميزة. فإن المعاني ليس تدرك بالتأمل إلا بعد أن يثبت البصر على كل واحد من الأجزاء، ويدور حول شكل كل واحد من أشكال تلك الأجزاء، ويقيس كل واحد من الأجزاء بالآخر. وليس يتم ذلك ويتحرر في زمان يسير وبحركة سريعة، بل في زمان له قدر وكذلك جميع المعاني اللطيفة. فتأمل البصر للمعاني المبصرة تختلف أزمانه بحسب اختلاف المعاني المتأملة.
وإذ قد تبين جميع ذلك فإننا نقول إن الإبصار الذي يكون بتقدم المعرفة، إذا كان بالأمارات واليسير من التأمل، ولم يستأنف البصر تأمل جميع المعاني التي في المبصر، فليس هو إدراكاً محققاً. وذلك أن إدراك المبصر بتقدم المعرفة وبالأمارات إنما يدرك به جملة المبصر على ما هي عليه، وتدرك القوة المميزة المعاني الجزئية التي في ذلك المبصر على الصفة التي تعرفها لذلك المبصر من الصورة الأولة التي هي حاصلة في النفس لذلك المبصر. وقد تتغير المعاني الجزئية التي تكون في المبصرات بمرور الزمان، ومع ذلك فليس يدرك البصر المعاني التي تتغير من المبصر بتقدم المعرفة. وإذا كان التغير خفياً وليس بكل الظاهر فليس يدركه البصر بالبديهة، وليس يدرك التغير إذا لم يكن في غاية الظهور إلا بالتأمل. ومثال ذلك أن البصر إذا كان يعرف إنساناً ما، وكانت صورة ذلك الإنسان سليمة، وكان البصر يتحقق صورته، ثم غاب ذلك الإنسان عن البصر مدة من الزمان فحدث في وجهه في زمان غيبته نمش أو آثار أو كلف، وكان ذلك النمش أو تلك الآثار خفية ولم تكن في غاية الظهور، ثم أدرك البصر هذا الشخص من تلك الآثار خفية ولم تكن في غاية الظهور، ثم أدرك البصر هذا الشخص من بعد هذه الحال وعرفه في حال إدراكه، فإنه في حال إدراكه لذلك الشخص ومعرفته به ليس يدرك النمش الذي حدث في وجهه أو الآثار التي حدثت فيه إذا لم تكن بكل الظاهرة، وهو يعرف صورة ذلك المبصر سليمة من الآثار. فإذا شاهده وعرفه ولم يستأنف تأمله فهو يعتقد فيه أنه سليم الصورة لما قد عرفه من صورته من قبل. ثم إن لم يستأنف تأمله يكون قد أدرك ذلك المبصر على خلاف ما هو عليه، وإن تأمله فضل تأمل ظهرت له الآثار التي في وجهه وأدرك صورته على ما هي عليه.
وكذلك إن أدرك البصر ثمرة من الثمار وتأملها وتحقق صورتها ثم غاب عنها أياماً فنمت تلك الثمرة في تلك الأيام وزاد مقدارها وتغير شكلها، أو كان في جزء منها حمرة فزاد الجزء المحمر منها أو اشتدت حمرته، ولم تكن الزيادة والتغيير الذي حدث في الثمرة تغيراً يسيراً، ثم عاد البصر إلى تلك الثمرة وشاهدها وعرفها، فإنه في حال إدراكها ومعرفته بها ليس يدرك التغير اليسير الذي حدث فيها. وإن استأنف تأملها في الحال الثانية، وكان ذاكراً مع ذلك لحقيقة صورتها في الحالة الأولى، فإنه يدرك التغير الذي حدث فيها ويتحقق صورتها في الحال الثانية. وإن لم يستأنف تأملها فليس تكون الصورة التي أدركها من تلك الثمرة بتقدم المعرفة هي صورتها الحقيقية التي هي عليها في حال إدراكه لها في الثاني.
وكذلك إن أدرك البصر جداراً في بعض المواضع وكان ذلك الجدار أملس وكانت فيه نقوش وتزايين، وتأمل البصر ذلك الجدار وتحقق صورته، ثم غاب عن ذلك الموضع مدة، وحدث في ذلك الجدار تغير من خشونة سطحه أو تشعث بعض النقوش التي فيه، ولم يكن التشعث بكل الظاهر، ثم عاد البصر إلى ذلك الموضع وشاهد ذلك الجدار، وكان ذاكراً لصورته الأولة ولمشاهدته، فإنه في حال مشاهدته ومعرفته ليس يدرك التشعيث الخفي الذي حدث فيه، وهو يعرف صورته على صفة ليس فيها ذلك التشعيث. فإن كان حدث فيه خشونة فهو يظنه أملس كما عهده، وإن كانت نقوشه في الأول كانت محققة ثم تغيرت فهو يظن بنقوشه في الثاني أنها محققة. فهو في حال إدراكه لذلك الجدار ومعرفته به يدرك صورته بالمعرفة، فإن لم يستأنف تأمله فقد أدرك صورته على خلاف ما هي عليه، وإن استأنف تأمله ظهرت له المعاني التي تغيرت من ذلك الدار وأدرك صورته على ما هي عليه.
وجميع المبصرات التي في التي في عالم الكون والفساد قابلة لتغير في ألوانها وفي أشكالها وفي أعظامها وفي هيئاتها وفي ملاستها وغفي خشونتها وفي ترتيب أجزائها وفي كثير من المعاني الجزئية التي تكون فيها، لأن طبيعتها مستحيلة متغيرة، ولأنها مع ذلك متهيئة للانفعال بما يعرض فيها من خارج. فالتغير طبيعي لها، والتغير الذي يصح أن يدركه البصر ممكن في جميعها وإن كان فيها ما ليس يمكن أن يظهر للبصر تغيره في الاستحالة، فليس شيء منها ليس يمكن أن يعرض له من خارج تغير يصح أن يظهر للبصر. فليس شيء من المبصرات التي في عالم الكون والفساد ليس يمكن أن يقبل تغيراً يظهر للبصر. وإذا كانت جميع المبصرات متهيئة للتغير ويمكن أن تتغير تغيراً ظاهراً للبصر، فليس شيء من المبصرات التي يدركها البصر وقد تقدم إدراكه لها وتحقق صورته وهو ذاكر لصورها يكون واثقاً عند إدراكه لها في الثاني بأنه على صورته التي كان عليها في الأول ولم يحدث فيه تغير، إذ كان التغير ممكناً في جميع المبصرات. فإذا أدرك البصر مبصراً من المبصرات، وكان قد أدرك ذلك المبصر من قبل ذلك الوقت وتأمله وتحقق صورته، وكان ذاكراً لصورته، فإنه في حال مشاهدته قد أدركه وقد عرفه. فإن كان قد حدث في ذلك المبصر تغير ظاهراً أدرك ذلك التغير في حال مشاهدته. وإن لم يكن حدث فيه تغير ظاهر فهو يعرفه ويظنه عند معرفته على الصفة التي يعرفها منه، ومع ذلك فإنه إذا لم يستأنف تأمله فليس هو واثقاً بأن صورته التي يعرفها منه باقية على هيئتها ولم يتغير شيء منها، إذ كان ممكناً أن يكون قد حدث فيه تغير خفي لا يظهر إلا بالتأمل، فإن استأنف تأمله تحققت له صورته، وإن لم يستأنف تأمله فليس يكون بإدراكه لذلك المبصر ومعرفته به متحققاً لصورته. فإدراك البصر للمبصرات بتقدم المعرفة وبالأمارات وباليسير من التأمل ليس هو إدراكاً محققاً، وليس يدرك البصر المبصر إدراكاً محققاً إلا بتأمل المبصر في حال إدراكه لذلك المبصر وبتفقد جميع المعاني الني في ذلك المبصر وتمييز جميعها في حال إدراكه لذلك المبصر.
فالإبصار يكون على وجهين: إبصار بالبديهة وإبصار بالتأمل. والإبصار بالبديهة يدرك به المبصر المعاني الظاهرة فقط، وليس يتحقق بالبديهة صورة المبصر. والإبصار بالبديهة يكون بمجرد البديهة وقد يكون بالبديهة مع تقدم المعرفة. والإبصار بمجرد البديهة هو إبصار المبصرات التي لا يعرفها البصر في حال ملاحظتها ولا يتأملها مع ذلك في الحال. والإبصار بالبديهة مع تقدم المعرفة هو إبصار المبصرات التي تقدمت معرفة البصر بها إذا عرفها البصر في حال ملاحظتها ولم يستأنف مع ذلك تأملها. وعلى كلى الحالين ليس يدرك البصر بالبديهة حقيقة المبصر، تقدمت معرفته بالمبصر أو لم تتقدم معرفته به.
والإبصار بالتأمل يكون على وجهين: إبصار بمجرد التأمل هو إبصار المبصرات التي لم يدركها البصر من قبل، أو ليس يذكر إدراكه لها إذا تأملها في حال إدراكها. والإبصار بالتأمل مع تقدم المعرفة هو إبصار جميع المبصرات التي قد أدركها البصر من قبل، وهو ذاكر لإبصارها، إذا استأنف مع معرفتها تأملها واستقرأ المعاني التي فيها. وهذا الإبصار ينقسم قسمين: أحدهما هو الإبصار المألوف للمبصرات المألوفة، وهذا القسم يكون بالأمارات التي تدرك باليسير من التأمل، واستقراء بعض المعاني التي في المبصر مع تقدم المعرفة. ويكون هذا الإبصار في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، وليس يكون ما يدرك على هذه الصفة إدراكاُ في غاية التحقيق. والقسم الثاني الذي يكون بغاية التأمل واستقراء جميع المعاني التي في المبصر في حال إدراك المبصر مع تقدم المعرفة بذلك المبصر، ويكون في الأكثر في زمان محسوس، ويختلف زمانه بحسب المعاني التي تكون في المبصر. والإبصار الذي بهذه الصفة هو الذي تدرك به المبصرات المألوفة إدراكاً في غاية التحقيق.
وبالجملة فإنه ليس يدرك البصر شيئاً من المبصرات إدراكاً محققاً على غاية التحقيق إلا بتأمل جميع المعاني التي في المبصر وتفقد جميع أجزاء المبصر وتمييز جميع المعاني التي في المبصر في حال إدراك البصر للمبصر، تقدمت المعرفة بذلك المبصر أو لم تتقدم. وهذا التحقيق هو بالإضافة إلى الحس، ومعنى محققاً ومعنى غاية التحقيق هو بالإضافة إلى الحس، ومعنى محققاً ومعنى غاية التحقيق في هذه المواضع هو غاية ما يدركه الحس. ومع جميع ذلك فإن إدراك البصر للمبصرات يكون بحسب قوة البصر، فإن الأبصار يختلف إحساسها في القوة والضعف.
فعلى هذه الصفات يكون إدراك البصر للمبصرات. وهذه هي جميع أنواع الإبصار، وهو الذي قصدنا لتبيينه في هذا الفصل. وقد أتينا على تفصيل جميع المبصرات وتفصيل جميع المعاني المبصرة، وبينا جميع المعاني التي بها يتوصل البصر إلى إدراك المبصرات وإلى إدراك المعاني المبصرة، وميزنا جميع الأقسام التي إليها تنقسم جميع أنواع الإبصار. وهذه هي المعاني التي قصدنا لتبيينها في هذه المقالة.
تمت المقالة الثانية من كتاب الحسن بن الحسن في المناظر وانتهى النسخ عشية الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأخرى سنة ست وسبعين وأربعمائة بالبصرة وكتب أحمد بن محمد بن جعفر حامداً لله ومصلياً على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه.


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 22 سبتمبر 2017 - 20:59