بّسم الله الرّحمن الرّحيم
موسوعة تفسير الأحلام
مُنتخب الكلام في تفسير الأحلام
تأويل رؤيا الحانوت والسجن والحفائر والجبانة والأموات


الحانوت :
يدل الحانوت على كل مكان يستفيد المرء فيه فائدة في دنياه وأخراه، كبستانه وفدانه ونخلته وشجرته وزوجته ووالده ووالدته، أو كتابه، من قول العامة لمن اعتمد مكانا للفائدة، جعله حانوته. فمن رأى حانوته انهدم، فإن كان والده مريضاً مات، لأن معيشته منه. وإن كانت أمه مريضة هلكت، لأنّها كانت تربيه بلبنها وتقويه بعيشها. وكانت زوجته حاملاً أو سقيمة، ماتت لأنّها دنياه ولذته ومتعته، ومن في بطنها ماؤه وولده الذي هو في التأويل ماله. فإن لم يكن شيء من ذلك، تعذرت عليه معيشته وتعطلت عليه الأماكن التي بها قوامه. ومن رأى أنّه يكسر باب حانوت، فإنّه يتحول منه. وإن رأى أبواب الحوانيت مغلقة نالهم كساد في أمتعتهم، وانغلاق في تجاراتهم. فإن رأى أبوابها مسدودة، ماتوا وذهب ذكرهم. فإن رآها مفتحة، تفتح عليهم أبوابِ التجارة.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
الخان :
الخان فندق الرجل، يدل على ما تدل عليه داره من جسمه ومجده واسمه وذكره وحمامه وفرنه ومجلس قضائه، فما جرى عليه عاد عليه. وأما المجهول منها، فدال على السفر، لأنّه منزلهم. وربما دل على دار الدنيا، لأنّها دار سفر يرحل منها قوم وينزل آخرون. وربما دل على الجباية لأنّها منزل من سافر عن بيته وخرج عن وطنه إلى غير بلاده، وهو في حين غربته، إلى أن يخرج منها مع صحابته وأهل رفقته. فمن رأى كأنّه دخل في فندق مجهول، مات إن كان مريضاً أو سافر إن كان صحيحاً، أو انتقل من مكان إلى مكان. فأما من خرج من فندق إلى فندق فركب دابة عند خروجه، أو خرج بها من وسطه، نظرت إلى حاله، فإن كان مريضاً خرج محمولاً، وإن كان في سفر تحرك منه وسافر عنه، وكذلك إن رأى رفقة نازلة في فندق مجهول ركباناً أو خرجوا منه كذلك، فإنّه يكون وباء في الناس أو الرفاق كما تقدم. أو يخرج بفرق بين الأمرين بأهل الرفقة وأحوالهم في اليقظة، ولما لهم ومعروفهم ومجهولهم وبرهم ومراكبهم.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
السجن :
يدل السجن على ما يدل عليه الحمام، وربما دل على المرض المانع من التصرف والنهوض، وربما دلت على العقلة عن السفر، وربما دل على القبر، وربما دل على جهنم، لأنّها سجن العصاة والكفرة، ولأن السجن دار العقوبة ومكان أهل الجرم والظلم. فمن رأى نفسه في سجن، فانظر في حاله وحال السجن، فإن كان مريضاً والسجن مجهولاً فذلك قبره يحبس فيه إلى القيامة، وإن كان السجن معروفاً طال مرضه ورجيت إفاقته وقيامه إلى الدنيا التي هيِ سجن لمثله، لما في الخبر أنّها سجن المؤمن وجنة الكافر، وإن كان المريض مجرماَ، فالسجن المجهول قبره والمعروف دالة على طول إقامته في علته، ولم ترج حياته إلا أن يتوب أو يسلم في مرضه. وإن رأى ميتاً في السجن، فإن كان كافراً فذاك دليل على جهنم، وإن كان مسلماً فهو محبوس عنِ الجنة بذنوب وتبعات بقيت عليه، وأما الحي السليم يرى نفسه في سجن، فانظر أيضاَ إلى ما هو فيه، فإن كان مسافراً في بر أو سفينة أصابته عقلة وعاقة بمطر أو ريح أو عدو أو حرب، أو أمر من سلطان. وإن لم يكن مسافراً دخل مكاناً يعصي الله فيه، كالكنيسة ودار الفكر والبدع أو دار زانية أو خمار، كل إنسان على قدره. وما في يقظته مما ينكشف عند المسألة، أو يعرف عنه بالشهرة أو بزيادة منامه من كلامه وأفعاله في أحلامه. وقال بعضهم من رأى أنّه اختار لنفسه، فإنّ امرأة تراوده عن نفسه، و الله يصرف عنه كيدها ويبلغه مناه، لقوله تعالى: "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبّ إليَّ مِمّا يَدْعُونَني إلَيْهِ". وحكي أنّ سابور بن أردشير في حياة والده، رأى كأنّه يبني السجون، ويأخذ الخنازير والقردة من الروم، فيدخلها فيه، وكان عليه أحد وثلاثون تاجاً، فسأل المعبر عنه فقال: تملك إحدى وثلاثين سنة، وأما بناء السجون فبعددها تبني مدائن وتأخذ الروم وتأسر منهم. فكان كذلك. كأنّه بعد موت أبيه أخذ ملك الروم، وبنى مدينة نيسابور ومدينة الأهواز ومدينة ساوران.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
الحفائر :
الحفائر دالة على المكر والخداع والشباك ودور الزناة والسجون والقيود والمراصد وأمثاله ذلك، وأصل ذلك ما يحفر للسباع من الربا لتصطاد فيها إذا سقطت إليها، والمطمورة ربما دلت على الأم الكافلة الحاملة المربية، لأنّ قوت الطفل في بطن أمه مكنوز بمنزلة الطعام في المطمورة، يقتات منه صاحبه شيئاً بعد شيء، حتى يفرغ أو يستغني عنه بغيره. وربما دلت المجهولة على رحبة الطعام جرت فيما تجري الحفائر فيه، لأنّها حفرة، فمن رأى مطمورة انهدمت أو ارتدمت، فإن كانت أمه عليلة هلكت، وإن كانت عنده حامل خلصت وردم قبرها، لأنّ قبر الحامل مفتوح، إلا أن يأتي في الرؤيا ما يؤكد موتها، فيكون ذلك دفنها. وإن لم يكن شيء من ذلك، فانظر. فإن كان عنده طعام فيها في اليقظة باعه، وكان ما ردمت به من التراب والأزبال عوضه، وهو ثمنه. وإن رأى طعامه بعينه زبلاً أو تراباً، رخص سعره وذهب فيه ماله وإن لم يكن له فيها طعام ورآها مملوءة بالزبل أو التراب، ملأها بالطعام عند رخصه. وإن كانت مملوءة بالطعام، حملت زوجته إن كان فقيراً أو أمته. فإن كانت المطمورة مجهولة في جامع أو سماط، أو عليها جمع من الناس وكان فيها طعام وهي ناقصة، نقص من السعر في الرحبة بمقدار ما نقص من المطمورة. وإن فاضت وسالت والناس يفرقون منها ولا ينقصونها، رخص السعر وكثر الطعام. وإن رأى ناراً وقعت في الطعام، كان في الطعام الذي فيها غلاء عظيم، أو حادث من السلطان في الرحبة، أو جراد أو حجر في الفدادين. فإن رأى في طعامها تمراً أو سكراً فإنّ السعر يغلو والجنس الذي فيها من الطعام يغلو، على قدر ما فيها من الحلاوة في القلة والكثرة. فإن كان كقدر نصف طعامها، فهو على النصف، وإلا فعلى هذا المقدار. وأما من سقط في مطمورة أو حفير مجهولة، فعلى ما تقدم في اعتبار السقوط في البئر.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
السرب :
السرب كل حفيرة في الأرض مكر، فمن رأى أنّه يحفر سرباً أو يحفر له غيره، فإنّه يمكر مكراً أو يمكر به غيره. فإن رأى أنّه دخل فيه، رجع ذلك المكر إليه دون غيره. فإن رأى أنّه دخله حتى استترت السماء عنه، فإنه تدخل بيته اللصوص ويسرقون أمتعة بيته. فإن كان مسافراً، فإنّه يقطع عليه الطريق. فإن رأى أنّه توضأ في ذلك السرب وضوء صلاة أو اغتسل، فإنّه يظفر بما سرق منه أو يعوض عاجلاً وتقر عينه، لأنّه يأخذ بتأويل الماء. وإن كان عليه دين قضاه الله تعالى. فإن رأى أنّه استخرج مما احتفره أو أحفر له ماء جارياً أو راكداً، فإنّ ذلك معيشة في مكر لمن احتفر.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
الجبانة ومن رأى ميتاً :
تدل الجبانة على الآخرة لأنها ركابها وإليها يمضي بمن وصل إليها، وهي محبس من وصل إليها، وربما دلت على دار الرباط والنسك والعبادة والتخلي من الدنيا والبكاء والمواعظ، لأنّه أهلها في نزاويهم عن الناس عبرة لمن زارهم وموعظة لمن رآهم وانكشف إليه أحوالهم وأجسامهم المنهوكة وفرقهم المسحوقة، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم حين دخلها وسلم على ساكنيها: دار قوم مؤمنين. وربما دلت على الموت لأنّه داره، وربما دلت على دار الكفار وأهل البدع ومحلة أهل الذمة لأنّ من فيها موتى. والموت في التأويل فساد الدين، وربما دلت على دور المستخفين بالأعمال المهلكة والفساد، كدور الزناة ودور الخمور التي فيها السكارى مطرحين كالموتى، ودور الغافلين الذين لا يصلون ولا يذكرون الله تعالى ولا ترفع لهم أعمال، وربما دلت على السجن لأنّ الميت مسجون في قبره، فمن دخل جبانة في المنام وكان مريضاً فيِ اليقظة صار إليها ومات من علته ولا سيما إن كان فيها بيتاً أو داراً، فإن لم يكن مريضاً فانظر، فإن كان في حين دخوِله متخشعاً باكياً بعينه أو تالياً لكتاب الله تعالى أو مصلياً إلى القبلة، فإنّه يكون مداخلأَ لأهل الخير وحلق الذكر ونال نسكاً وانتفع بما يراه أو يسمعه، وإن كان حين دخوله ضاحكاً أو مكشوف السوأة أو بائلاً على القبور أو ماشياً مع الموتى، فإنّه يداخل أهل الشر والفسوق وفساد الدين يخالطهم على ما هم عليه، وإن دخلها بالأذان وعظ من لا يتعظ وأمر بالمعروف من لا يأتمر وقام بحق وشهد بصدق بين قوم غافلين جاهلين أو كافرين، وأما من رأى الموتى وثبوا من قبورهم أو رجعوا إلى دورهم مجهولين غير معروفين، فإنّه يخرج من السجن أو يسلم أهل مدينة مشركين أو ينبت ما زرعه الناس من الحب في الأرض مما أيسوا منه لدوام القحط على قدر ما في زيادة الرؤيا وما في اليقظة من الشواهد والأمور الظاهرة الغالبة.
وأما منِ نبش القبور: فإنّ النباش يطلب مطلوباً خفياً مندرساً قديماً لأنّ العرب تسميه مختفياً إما في خير أو شر، فإن نبش فهو عالم ففيه نبش على مذهبه وإحياء ما اندرس من علمه، وكذلك قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يفضي به نبشه إلى رمة بالية وخرق متمزقة أو تكسِر عظامه فإنه يخرج في علمه إلى بدعة وحادثة، وإن وجده حياً استخرج من قبره أمراً صالحاً وبلغ مراده من إحياء سنته وشرائعه على قدره ونحوه. وإن نبشِ قبر كافِر أو ذي بدعة أو أحد من أهل الذمة طلب مذهب أهل الضلالة أو عالج مالاً حراماً بالمكر والخديعة، وإن أفضى به النبش إلى جيفة منتنة أو حمأة أو عذرة كثيرة، كان ذلك أقوى في الدليل وأدل على الوصول إلى الفساد المطلوب.
------------------------------------------------------
وأما من رأى ميتاً قد عاش فإنّ سنته تحيا في خير أو شر لرائيها، خاصة إن كان من أهل بيته أو رآه في داره، أو للناس كافة إن كان سلطاناً أو عالماً. وأما أكل الميت من دار فيها مريض، فدليل على هلاكه، وإلا ذهب لأهلها مال. وأما من ناداه الميت فإن كان مريضاً لحقه، وإن كان فقيهاً فقد وعظه وذكره فيما لا بد منه ليرجع عما هو فيه ويصلح ما هو عليه، وأما من ضربه ميت أو تلقاه بالعبوس والتهدد وترك السلام، فليحذر وليصلح ما قد خلفه عليه من وصية إن كانت إليه أو في أعمال نفسه وذنوبه فيما بينه وبين الله تعالى. وإن تلقاه بالبشر والشكر والسلام والمعانقة فقد بشره بضد حال الأول، وقد تقدم في ذكر باب الأموات ما فيه غنى.
وأما الحمل فوق النعش: فمؤيد لما دل عليه الموت في الرؤيا، وقد يلي ولاية يقهر فيها الرقاب. وأما الدفن فمحقق لما دل عليه الموت، وربما كان بأساً لمن فسد دينه من الصلاح، وربما دل على طول إقامة المسافر وعلى النكاح وعلى العروس ودخول البيت في الكلة مع العروس من الاغتسال ولبس البياض ومس الطيب، ثم يزوره إخوانه في أسبوعه. وربما دل على السجن لمن يتوقعه، فإن وسع عليه ونوم نومة عروس كان ما يدل عليه خير أكله وحسنت فيه عقباه وكثرت دنياه، وإن كان على خلاف ذلك ساءت حالته وكانت معيشته ضنكاً.
وكان ابن سيرين يقول: "أحب أن آخذ من الميت وأكره أن أعطيه ". وقال: إذا أخذ منك الميت فهو شيء يموت. ومن مات ولم ير هناك هيئة الأموات فإنّه انهدام داره أو شيء منها، وإذا رأى الحي أنّه يحفر لنفسه قبراً بنى داراً في ذلك البلد أو تلك المحلة وثوى فيها، ومن دفن في قبر وهو حي حبس وضيق عليه، وإن رأى ميتاً عانقه وخالطه كان ذلك طول حياة الحي، وإن رأى الميت نائماً كان ذلك راحته.


مُختصر كتاب مُنتخب الكلام في تفسير الأحلام
تأليف إبن سيرين
منتدى قوت القلوب . البوابة