المقالة الثالثة [ الجزء السابع من الفصل السابع ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1683
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

المقالة الثالثة [ الجزء السابع من الفصل السابع ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة 27 يناير 2017 - 10:25


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة العلمية
المناظر لابن الهيثم
المقالة الثالثة
أغلاط البصر
فيما يدركه على استقامة وعللها

● [ تابع الفصل السابع ] ●
غلط البصر من أجل الزمان

غلط البصر من أجل الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال.
البعد
فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر الذي يلمح شخصاً قائماً على وجه الأرض من بعد ثم يلتفت عنه في الحال، ويكون ذلك الشخص نخلة أو شجرة أو عموداً أو جداراً، ويكون من وراء ذلك الشخص جبل، ويكون بين الشخص وبين الجبل مسافة مقتدرة: فإن البصر إذا لمح الشخص الذي بهذه الصفة فإنه ربما ظن بذلك الشخص أنه في حذاء الجبل أو قريباً منه ولم يحس بالمسافة التي بينهما وإن كان بعد ذلك الشخص من الأبعاد المعتدلة إذا كان من أبعدها. وذلك لأن البصر إذا لمح الشخص لمحة سريعة ثم التفت عنه في الحال فإنه في حال لمحته للشخصين ربما لم يلمح وجه الأرض، ويكون نظره إلى الشخص في سمت المقابلة فقط. وإذا لم يلمح وجه الأرض لم يدرك المسافة التي بين الشخص وبين الجبل. وإن لمح الناظر جملة الأرض أيضاً، ولم يحرك البصر في طول المسافة، فإنه ليس يتميز له موضع قاعدة الشخص من تلك المسافة. فإذا لمح البصر الشخص القائم، وكان نظره في سمت المقابلة، وكان وراء الشخص جبل، فإن البصر يدرك ذلك الشخص في حذاء ذلك الجبل، ولا يحس بالبعد الذي بينهما. وإذا أدرك الشخص في حذاء الجبل وكان بين الشخص وبين الجبل بعد مقتدر فهو غالط في بعد ذلك الشخص عنه، ويكون غلطه غلطاً في القياس. ويكون على غلطه هو قصر الزمان الذي يدرك فيه ذلك الشخص، لأن البصر إذا قابل وجه الأرض الذي بهذه الصفة في زمان متنفس، واستقرأ المسافة التي بين البصر وبين الجبل، أدرك موضع الشخص من تلك المسافة، وأدرك البعد الذي بين الشخص وبين الجبل، ولم يعرض له الغلط في بعد الشخص من الجبل ولا في بعده عن البصر، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الشخص وفي ذلك الجبل وفي المسافة التي بين البصر والجبل في عرض الاعتدال.
الوضع
وقد يعرض الغلط في وضع المبصر أيضاً من اجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن الناظر إذا كان متحركاً حركة سريعة، ثم التفت عن يمينه أو عن شماله فلمح في التفاته حائطاً قائماً أو جبلاً معترضاً من بعد مقتدر، وكان إدراكه لذلك الحائط أو لذلك الجبل من فرجة أو من باب، ثم غاب عنه ذلك الحائط أو ذلك الجبل بعد قطع البصر لمسافة عرض تلك الفرجة أو ذلك الباب، وكان سطح ذلك الحائط أو طول ذلك الجبل مائلاً على خطوط الشعاع، فإن البصر لا يحس بوضع ذلك الحائط ولا بوضع الجبل الذي يدركه على هذه الصفة. وإذا كان سطح الحائط أو طول الجبل مائلاً على خطوط الشعاع فإنه يدركه مواجهاً، وذلك لأن الميل إنما يدركه البصر من إدراكه لاختلاف بعدي طرفي المبصر، واختلاف أبعاد أطراف المبصرات إنما يدركها البصر من إدراكه لمقدار كل واحد من بعدي الطرفين المتقابلين وإدراكه لزيادة أحدهما على الآخر. وإدراك البصر لمقدار كل واحد من البعدين وإدراكه لتفاضلهما ليس يكون إلا في زمان له قدر يتمكن فيه البصر من تأمل كل واحد من البعدين ومن قياس أحدهما بالآخر ومن قياس كل واحد منهما بما يسامته من الأجسام الأرضية. والزمان الذي يقطع فيه البصر عرض المسافة التي هي الفرجة أو الباب، إذا كانت الفرجة أو الباب ضيقين وكانت حركة البصر سريعة، ليس يكون إلا يسيراً. وإذا كان الزمان الذي بهذه الصفة يسيراً، ولمح البصر ذلك، ولمح البصر ذلك الحائط أو ذلك الجبل في هذا القدر من الزمان أو في بعضه، فإنه لا يتمكن من تأمل مقداري بعدي طرفيه ومن قياس أحدهما بالآخر، وإن أدرك طرفي ذلك الجسم في لمحته. وإذا لم يدرك البصر مقدار كل واحد من بعدي طرفي الحائط أو الجبل، ولم يقس أحدهما بالآخر، فإنه لا يدرك ميل ذلك الحائط ولا ذلك الجبل، وخاصة إذا كان ميلهما يسيراً. وإذا لم يدرك ميلهما فليس يدرك الحائط أو الجبل إلا مواجهاً، ويظن بأبعاد طرفيه أنهما متساويان، إذا لم يحس بالاختلاف الذي بينهما.
وإذا أدرك البصر المبصر المائل مواجهاً فهو غالط في وضعه. ويكون غلطه غلطاً في القياس لأن الوضع يدرك بالقياس. ويكون علة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا تأمل المبصر الذي بهذه الصفة، وكان الزمان الذي يتأمله فيه فسيحاً وتأمل أبعاد أطرافه، فإنه يدرك اختلاف أبعاد أطرافه ويدرك وضعه على ما هو عليه إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
الشكل
وقد يعرض الغلط في الشكل أيضاً من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا لمح مبصراً من المبصرات ثم التفت عنه سريعاً، وكان في سطح ذلك المبصر تحديب يسير أو تقعير يسير، فإنه يدركه في الآن مسطحاً، لأن التحديب اليسير ليس يدركه البصر إلا بالتأمل المستقصى ليس يكون إلا في زمان متنفس. وإذا أدرك البصر السطح المحدب أو المقعر مسطحاً فهو غالط في شكل ذلك السطح.ويكون غلطه غلطاً في القياس لأن الشكل يدرك بالقياس. ويكون علة غلطه فيما يدركه على هذه الصفة هو قصر الزمان الذي يدرك فيه المبصر، لنه إذا كان الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر فسيحاً فهو يدرك البصر المبصر فسيحاً فهو يدرك تحديب سطحه وتقعيره ويدرك شكله على ما هو عليه، إذا كانت المعاني التي فيه في عرض الاعتدال.
العظم
وقد يعرض الغلط في العظم أيضاً من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن الإنسان إذا أخذ عوداً في طرفه نار، وحركه يميناً وشمالاً حركة في غاية السرعة في ظلمة الليل، فإن البصر إذا نظر إلى النار التي بهذه الصفة فإنه يجدها ممتدة في المسافة التي تتحرك فيها تلك النار، التي هي أضعاف لمقدار جرم النار. وذلك لأن البصر ليس يدرك مقدار المبصر ولا يدرك موضع المبصر ولا يدرك حركة المبصر إلا في زمان له قدر، فإذا تحركت النار حركة في غاية السرعة فإن الزمان الذي تقطع فيه النار تلك المسافة هو زمان في غاية الصغر بالقياس إلى الحس، فليس يدرك الحس الجزء من الزمان الذي تقطع فيه النار الجزء من تلك المسافة. وإذا لم يدرك الحاس أجزاء ذلك الزمان جزءاً بعد جزء، فهو يحس بجملة الزمان بمنزلة جزء لا ينقسم من الزمان أو بمنزلة الآن. فالبصر يدرك النار في جميع تلك المسافة في زمان هو عند الحس بمنزلة الآن الواحد.
وإذا أدرك البصر النار في جميع المسافة في آن واحد فهو يدركها ممتدة في تلك المسافة. ثم إذا تواصلت حركة المحرك لتلك النار دائماً يميناً وشمالاً زماناً محسوساً فإن البصر يدرك تلك النار ممتدة في تلك المسافة زماناً محسوساً له قدر، وهو الزمان الذي يواصل فيه المحرك تحريك تلك النار. وإذا أدرك البصر النار ممتدة في مسافة في مسافة من المسافات زماناً محسوساً لم يشك في أن حجم تلك النار هو مقدار طول تلك المسافة. فإذا أدرك البصر النار التي بهذه الصفة من بعد في ظلام الليل فإنه لا يشك في ان مقدار جرم النار هو مقدار طول المسافة، ويكون جرم النار جزءاً يسيراً من تلك المسافة، فيكون غالطاً في مقدار عظم تلك النار، ويكون مع ذلك لا يحس بغلظه.
وإذا أدرك البصر النار التي بهذه الصفة من قرب أيضاً ويدرك محركها ويعلم أنه يحركها، وأن مقدار تلك النار هو مقدار يسير، فهو يدركها أيضاً ممتدة في تلك المسافة ويدرك مقدار طول المسافة، ولكنه يعلم مع ذلك أنه غالط فيما يدركه من مقدار النار على هذه الصفة.
فإذا أدرك البصر النار على هذه الصفة فإنه يكون غالطاً في عظمها وغالطاً في سكونها، لأنه إذا لم يتقدم علمه بتحريك المحرك لها يظنها ساكنة ولا يحس بتحريك المحرك لها إذا أدركها في ظلمة الليل من بعد مقتدر. فيكون غلطه في جميع ذلك غلطاً في القياس لأن هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يدرك البصر النار في طول هذه المسافة الذي فيه تقطع النار تلك المسافة عن عرض الاعتدال، لأن تلك النار بعينها إذا حركها المحرك حركة رقيقة فإن البصر الناظر إليها يدرك مقدارها على ما هو عليه ويدركها في جزء بعد جزء من تلك المسافة، ويدرك حركتها ويدرك شكلها، ولا يعرض له الغلط في شيء من معانيها، إذا كانت المعاني الباقية التي فيها التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال.
التفرق والإتصال
وقد يعرض الغلط في التفرق أيضاً من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن ابصر إذا لمح ثوباً من الثياب البيض أو ستراً أبيض أو حائطاً من الحيطان البيض، وكان في ذلك الثوب أو الستر أو الحائط خط أسود أو مظلم اللون أو خيط في نسج الثوب أو كان الستر أسود أو مظلم اللون، ولم يلبث البصر في مقابلة ذلك المبصر بل لمحه والتفت عنه في الحال، فإن الناظر ربما ظن بذلك الخط أو الخيط أنه شق في الثوب أو ذلك الستر أو ذلك الحائط، إذا كان الزمان الذي لمحه فيه يسيراً ولم يتمكن في ذلك القدر من الزمان من تأمله. وإذا ظن الناظر بالخط أو الخيط أنه شق فهو غالط في ذلك الظن.
وقد يعرض الغلط في الاتصال أيضاً من أجل قصر الزمان. وذلك ان البصر إذا لمح حائطاً من الحيطان السود التي تسود بالدخان، وكان في ذلك الحائط شق ضيق أو شقوق ضيقة، فإن البصر إذا لمح الحائط الذي بهذه الصفة والتفت عنه في الحال ولم يتمكن من تأمله، فإنه لا تتميز له الشقوق التي تكون فيه ولا يتميز له سواد الحائط من ظلمة الشقوق التي في تضاعيفه في مقدار لمح البصر. وإذا لم يتميز للبصر الشقوق والتفريق التي في الجسم الذي بهذه الصفة فإنه يظنه متصلاً. وإذا ظن بالمتفرق أنه متصل فهو غالط فيما يظنه من اتصاله.
وكذلك إذا لمح البصر الأسرة المتخذة من الخشب الأسود كالأبنوس وما جرى مجراه، وكانت الفصول التي بين ألواحه المتصلة في سطحه ضيقة، ولم يثبت البصر في مقابلة المبصر الذي بهذه الصفة بل لمحه والتفت عنه في الحال، فإن البصر في حال لمحه للجسم الذي بهذه الصفة لا يدرك الفصول التي بين ألواحه بل يدركه متصلاً كأنه جسم واحد. وذلك لأن البصر في اللمحة الخفيفة ليس يتميز له مواضع الفصول والتفرق الذي بين تلك الألواح لسواد تلك الألواح وظلمة التفرق الذي بينها واشتباه السواد بالظلمة.
وإذا أدرك البصر الأجسام المتضامة جسماً واحداً متصلاً فهو غالط فيما يدركه من اتصالها، وهو غالط في العدد أيضاً إذا ظن بعدة أجسام أنها جسم واحد. والغلط في التفرق وفي الاتصال وفي العدد هي أغلاط في القياس لأن التفرق والاتصال والعدد إنما يدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر هذه المبصرات عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا أدركها البصر ولبث في مقابلتها زماناً مقتدراً وتأملها تأملاً صحيحاً فإنه يدرك الاتصال في المتصل منها ويدرك التفرق في المتفرق ويدرك عددها على ما هو عليه، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.
الحركة
وقد يعرض الغلط في الحركة أيضاً من أجل قصر الزمان. وذلك أن البصر إذا لمح متحركين يتحركان في وقت واحد كفارسين يتحاربان أو شخصين يتساعيان، وكانت حركتاهما مختلفة اختلافاً يسيراً، ولم يلبث البصر في مقابلتهما بل التفت عنهما في الحال، فإن البصر يدرك المتحركين اللذين بهذه الصفة متساويي الحركة ولا يحس باختلاف حركتيهما إذا كان الاختلاف الذي بينهما يسيراً. وذلك أن الاختلاف اليسير الذي يكون بين الحركتين ليس يدركه البصر إلا بالتأمل المستقصى، وليس يكون إلا في زمان سعة، وليس يكون في أقل القليل من الزمان الذي هو لمح البصر.
وإذا أدرك البصر الحركتين المختلفتين متساويتين فهو غالط في تساويهما. والغلط في الحركات وفي تساوي الحركات هو غلط في القياس لأن الحركات وتساوي الحركات ليس يدرك إلا بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر الحركتين التين بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن المتحركين المختلفي الحركة إذا أدركهما البصر في زمان فسيح وتأمل حركتيهما في ذلك الزمان تأملاً مستقصى فإنه يدرك اختلاف حركتيهما ولا يعرض له الغلط في كيفية حركتيهما، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذينك المبصرين في عرض الاعتدال.
السكون
وقد يعرض الغلط في السكون أيضاً من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر إلى مبصر من المبصرات، وكان ذلك المبصر يتحرك حركة بطيئة في غاية البطء، ولم يلبث البصر في تأمل ذلك المبصر إلا زماناً يسيراً، فإن البصر يدرك ذلك المبصر ساكناً كانت حركته على الاستقامة أو على الاستدارة وإن كان على بعد معتدل. وذلك أن المبصر يتحرك حركة بطيئة مسرفة البطء فهو يقطع في زمان محسوس مسافة غير محسوسة، فإذا كان البصر ناظراً إلى ذلك المبصر وثابتاً في مقابلته ذلك القدر من الزمان فقط الذي يقطع فيه ذلك المبصر مسافة غير محسوسة أو بعض ذلك الزمان فإن البصر لا يحس بالمسافة التي يقطعها ذلك المبصر في ذلك القدر من الزمان، وإذا لم يحس بالمسافة التي يقطعها المبصر في ذلك القدر من الزمان فهو يدركه ساكناً.
فإذا نظر البصر إلى مبصر من المبصرات المتحركة ولم يلبث في مقابلته إلا زماناً يسيراً، وكان ذلك المبصر بطيء الحركة، وكانت المسافة التي يقطعها ذلك المبصر في ذلك المبصر في ذلك القدر من الزمان الذي أدرك فيه البصر إذا أدرك المبصر في موضع واحد وعلى وضع واحد زماناً محسوساً فإنه يدركه في ذلك القدر من الزمان ساكناً ولا يحس بحركته في ذلك القدر من الزمان، ولذلك يدرك الكواكب كأنها ساكنة إذا لم يطل النظر إليها. وإذا أدرك البصر المبصر المتحرك ساكناً فهو غالط في سكونه. والغلط في السكون هو غلط في القياس لأن السكون يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر الذي بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك المبصر وثبت في مقابلته زماناً مقتدراً يقطع ذلك المبصر في مثله مسافة محسوسة فإن البصر يدرك حركة ذلك المبصر، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.
وقد يدرك البصر المبصر المتحرك ساكناً إذا كانت حركته في غاية السرعة أيضاً، وذلك مثل الدوامة إذا كانت سريعة الحركة، فإن البصر يدرك الدوامة إذا كانت متحركة حركة سريعة كأنها ساكنة، وذلك لأن البصر يدرك كل جزء من أجزاء الدوامة في جميع الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء في زمان في غاية الصغر ليس في قدرة الحس تمييز أجزائه، وذلك لأن الدوامة إذا كانت حركتها في غاية السرعة فإن كل جزء منها يقطع الدائرة التي يتحرك عليها في زمان في غاية الصغر، وقد تبين فيما تقدم أن البصر ليس يدرك الحركة إلا في زمان محسوس.
وإذا أدرك البصر كل جزء من أجزاء الدوامة على جميع محيط الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء في أقل القليل من الزمان الذي هو بمنزلة الآن عند الحس، ثم اتصلت حركة الدوامة، فإنه يدرك لون كل نقطة من الدوامة على جميع محيط الدائرة التي تتحرك عليها تلك النقطة في مدة الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة. فإن كانت الدوامة ذات لون واحد لم تتميز أجزاؤها للبصر في حال حركتها. وإذا كانت ذات ألوان مختلفة على الصفة التي تقدمت في المقالة الثانية ظهر لونها لوناً واحداً ممتزجاً من تلك الألوان كما تبين ذلك في المقالة الثانية. وإذا ظهرت ذات لون واحد تتميز أجزاؤها مع الحركة السريعة. وإن كان فيها نقط متفرقة، أو نقط مخالفة اللون للون جملة الدوامة، فإن كل نقطة منها يظهر لونها على جميع محيط الدائرة التي تتحرك عليها تلك النقطة ويمكث ذلك اللون مستديراً على صفة واحدة ما دامت الدوامة تتحرك الحركة السريعة، ويدرك البصر الدوامة كأن في سطحها دوائر مخالفة الألوان لبقية لونها، لأن البصر يدرك لون النقطة في جميع الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة على جميع محيط الدائرة. فعلى تصاريف أحوال الدوامة في ألوانها، إذا كانت الدوامة تتحرك حركة سريعة، فإن البصر يدرك صورة لونها أو ألوانها على صفة واحدة لا تتغير زماناً محسوساً، وهو مدة الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة. والبر إنما يدرك الحركة المستديرة من تبدل أجزاء المتحرك بالقياس إلى البصر نفسه أو بالقياس إلى جسم غيره، ويدرك السكون من إدراك المبصر على صفة واحدة وعلى وضع واحد زماناً محسوساً. وإذا أدرك البصر الدوامة على صفة واحدة زماناً محسوساً، وأدرك وضع أجزائها على صفة واحدة ولم يحس بتبدل أجزائها، فهو يدركها ساكنة ولا يحس بحركتها.
وإذا أدرك البصر الدوامة المتحركة ساكنة فهو غالط في سكونها، ويكون غلطه غلطاً في القياس. ويكون علة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر كل جزء من أجزاء الدوامة على جميع محيط الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء عن عرض الاعتدال بالإفراط في القصر، لأنه إذا كان هذا الزمان في غاية القصر لم يدرك الحس أجزاءه، وإذا لم يدرك أجزاءه لم يدرك أجزاء الحركة، وإذا لم يدرك أجزاء الحركة لم يدرك تبدل أجزاء الدوامة، وإذا لم يدرك تبدل أجزاء الدوامة لم يدرك حركتها، فعلة هذا الغلط هو قصر الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر المتحرك في جميع المسافة التي يتحرك عليها.
الخشونة والملاسة
وقد يعرض الغلط في الخشونة وفي الملاسة أيضاً من أجل قصر الزمان. وذلك لأن البصر إذا لمح مبصراً من المبصرات لمحة يسيرة ثم التفت عنه في الحال، وكان في ذلك المبصر خشونة يسيرة، فإن البصر لا يدرك الخشونة اليسيرة التي تكون في سطح ذلك المبصر، لأن الخشونة اليسيرة ليس يدركها البصر إلا بالتأمل المستقصى، والتأمل المستقصى ليس يكون إلا في زمان مقتدر. وإذا لمح البصر المبصر لمحة يسيرة في زمان يسير المقدار فليس يدرك الخشونة التي تكون فيه. وإذا لم يدرك الخشونة التي فيسطح المبصر فهو يدركه أملس، لأنه يدركه كما يدرك السطوح الملس فلا يفرق بينه وبين السطوح الملس. وكذلك إذا كان المبصر أملس ولمحه البصر لمحة خفيفة فإنه لا يتحقق ملاسته. فإن كان ذلك المبصر من المبصرات التي يحتمل أن يكون فيها خشونة ويكون أكثرها خشنة السطوح فإن البصر ربما ظن بذلك المبصر أنه خشن السطح إذا لم يتحقق ملاسته.
وإذا ظن البصر بالخشن أنه أملس وبالأملس أنه خشن فهو غالط في الخشونة وفي الملاسة. ويكون غلطه غلطاً في القياس لأن الخشونة والملاسة تدرك بالقياس. ويكون علة غلطه هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك ذلك المبصر وتأمله تأملاً صحيحاً في زمان مقتدر فإنه يدرك خشونته إن كان خشناً ويدرك ملاسته إن كان أملس، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.
الشفيف والكثافة
وقد يعرض الغلط في الشفيف وفي الكثافة أيضاً من أجل خروج الزمان الذي يكون فيه الإبصار عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا لمح جسماً من الأجسام المشفة لمحة خفيفة ثم التفت عنه، وظهر الضوء من وراء ذلك الجسم المشف في حال ملاحظة البصر له وأحس البصر بشفيف ذلك الجسم،وكان الضوء الذي أدركه البصر من وراء ذلك الجسم يخرج إلى ذلك الجسم على خطوط مائلة على سطحه ولا على خطوط قائمة، فإن البصر يدرك شفيف ذلك الجسم دون شفيفه الحقيقي. وذلك لأن حقيقة شفيف الجسم المشف ليس يدركه البصر إلا إذا كان الضوء الذي يظهر من وراء ذلك الجسم على سموت قائمة عليه. وإذا أدرك البصر الضوء من وراء الجسم المشف، وكان الضوء الذي أدركه البصر خارجاً إلى ذلك الجسم المشف على خطوط مائلة، فإن الشفيف الذي يظهر لذلك الجسم ليس هو شفيفه الحقيقي. وإذا لمح البصر الجسم المشف وهو على الوضع الذي وصفناه، وأدرك شفيفه على ما يقتضيه وضعه، ثم التفت عنه في الحال، فإنه إذا التفت عنه بسرعة فليس يحس بحقيقة وضع ذلك الجسم من الضوء الذي ظهر من ورائه ولا يفرق في الزمان اليسير الذي هو لمح البصر بين الضوء المواجه للمبصر وبين الضوء المائل. وإذا لم يحس بحقيقة وضع المبصر الذي بهذه الصفة من الضوء الذي يظهر من وراءه فإنه ربما ظن أن ذلك الشفيف الذي أدركه لذلك الجسم هو غاية في فيفه. وإذا ظن البصر بشفيف الجسم الذي هو دون شفيفه الحقيقي أنه غاية شفيف ذلك الجسم فهو غالط في شفيف ذلك الجسم.
وأما إن لمح البصر الجسم المشف، وكان ذلك الجسم على وجه الأرض ولم يظهر الضوء من وراء ذلك الجسم، وكان ذلك الجسم متلوناً بلون قوي، فإن البصر يدرك ذلك الجسم كثيفاً ولا يحس بشفيفه ولا يتميز له مقدار لمح البصر لون من لون الجسم الذي وراءه. وإذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بشفيف ذلك الجسم فإنه لا يشك في كثافته. وإذا أدرك البصر الجسم المشف كثيفاً فهو غالط في كثافته. والغلط في الشفيف وفي الكثافة هو غلط في القياس لأن الشفيف والكثافة يدركان بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك المبصر المشف وتمكن من تأمله ومن استشفافه فليس يعرض له الغلط في شفيفه ولا في كثافته إن كان كثيفاً، إذا كانت المعاني الباقية التي في عرض الاعتدال.
الظل
وقد يعرض الغلط في الظل أيضاً من اجل قصر الزمان وفي الظلمة. وذلك أن البصر إذا لمح جداراً في بيت من البيوت في سواد الليل، وكان بعض ذلك الجدار مسفر اللون وبعضه قتم اللون، وكان على ذلك الجدار ضوء نار ليس بالقوي، ولن يكن قد تقدم علم الناظر بذلك الجدار، وكان لمحه له لمحة يسيرة ثم أعرض عنه في الحال، فإنه في حال ملاحظته إذا لم يتأمله تأملاً صحيحاً ربما ظن بالموضع القتم من الجدار أنه ظل.
وكذلك إن كان بعض الجدار أسود وبعضه أبيض، وأدركه البصر في ضوء النهار، ولم يكن قد تقدم علم الناظر بسواد ذلك الجدار، وكان الضوء الذي عليه ليس بشديد الإشراق، فإنه ربما ظن بالسواد أنه باب أو منفذ وأن سواده إنما هو ظلمة الموضع إذا لم يتأمل ذلك الموضع تأملاً صحيحاً ولمحه لمحة فقط.
وإذا أدرك البصر الموضع المضيء بضوء النار الذي لا ظل فيه مستظلاً أو مظلماً فهو غالط في استظلاله وفي ظلمته. ويكون غلطه غلطاً في القياس لأن الظل والظلمة يدركان بالقياس. ويكون علة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يلمح فيه البصر المبصر الذي بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا تأمل المبصر الذي بهذه الصفة فضل تأمل فإنه يدرك الضوء الذي عليه ويحس باختلاف ألوانه ولا يعرض له الغلط في شيء منه، إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
الحسن والقبح
وقد يعرض الغلط في الحسن والقبح أيضاً من اجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا لمح مبصراً من المبصرات كشخص إنسان، وكانت لذلك الإنسان ورقة من رقة لونه وحسن هيئة جملة وجهه وأشكال أعضائه الظاهرة أو بعض ذلك، وكانت في مع ذلك معان لطيفة تشينه وتقبح صورته كتباين أعضائه أو آثار تكون في وجهه تقبح صورته، فإن البصر إذا لمح الصورة التي بهذه الصفة لمحة خفيفة والتفت عنها في الحال فإنه يدرك محاسنها في حال ملاحظتها ولا يدرك المعاني اللطيفة التي تكون فيها التي تشينها، لأن هذه المعاني ليس تدرك في لمح البصر. وإذا لمح البصر المبصر الذي بهذه الصفة فإنه يدركه حسناً، وهو مع ذلك قبيح. وكذلك جميع المبصرات من الجمادات والحيوانات والنبات، إذا كانت فيها معان ظاهرة مستحسنة ومعان لطيفة مستقبحة، فإن البصر إذا لمحها لمحاً ولم يتمكن من تأملها تأملاً صحيحاً فإنه يدركها مستحسنة وهي مع ذلك مستقبحة.
وكذلك إن كان في المبصر معان ظاهرة مستقبحة ومعان لطيفة مستحسنة، ولمح البصر المبصر الذي بهذه الصفة لمحة خفيفة، فإنه يدركه مستقبحاً ولا يدرك محاسنه. وإذا أدرك البصر المبصر المستقبح حسناً فهو غالط في حسنه وإذا أدرك المبصر المستحسن قبيحاً فهو غالط في قبحه.
وقد يعرض هذا الغلط بعينه للبصر إذا كان البصر ينظر من باب أو من فرجة، وكان المبصر متحركاً أو مجتازاً بذلك الباب أو الفرجة وأدركه البصر في مقدار الزمان الذي قطع فيه المبصر عرض ذلك الباب أو الفرجة ولم يتمكن من تأمله، فإنه يدرك المستقبح الذي على هذه الصفة التي وصفناها حسناً ويدرك المستحسن قبيحاً. وكذلك إذا كان البصر متحركاً والمبصر ساكناً أو متحركاً إلى ضد جهة حركة البصر ولمح البصر المبصر في حال حركته من باب أو من فرجة.
وكذلك أيضاً إذا لمح البصر مبصرين متشابهين في معان ظاهرة ويختلفان في معان لطيفة، ولم يتأملها تأملاً صحيحاً بل لمحهما لمحاً خفيفاً ثم أعرض عنهما، فإنه يدرك ذينك المبصرين متشابهين ولا يحس باختلافهما. وإن كانا يختلفان في المعاني الظاهرة ويتشابهان في المعاني الخفية فإن البصر يدركهما مختلفين ولا يحس بتشابههما. وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين بوجه من الوجوه متشابهين على الإطلاق فهو غالط في تشابههما، وإذا أدرك المتشابهين بوجه من الوجوه مختلفين على الإطلاق فهو غالط في اختلافهما.
والغلط في الحسن وفي القبح وفي التشابه وفي الاختلاف هي أغلاط في القياس لأن هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هي خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر كل واحد من هذه المبصرات عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك هذه المبصرات وتمكن من تأملها وتصفح المعاني التي فيها فإنه يدرك كل واحد منها على ما هو عليه، فيدرك الحسن حسناً والقبيح قبيحاً والمتشابه متشابهاً والمختلف مختلفاً، ولا يعرض له الغلط في يء من المعاني التي فيها، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.
فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال.

● [ لهذا الفصل بقية ] ●


المناظر . تأليف : ابن الهيثم
مجلة نافذة ثقافية . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 23 نوفمبر 2017 - 5:58