الفن الثانى [التعليم الثاني: الأسباب] الجملة الأولى [1]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1683
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

الفن الثانى [التعليم الثاني: الأسباب] الجملة الأولى [1]

مُساهمة من طرف الإدارة في الخميس 5 يونيو 2014 - 5:51


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
الفن الثانى: الأمراض والأسباب والأعراض الكلية
التعليم الثاني : الأسباب

● [ الجملة الأولى ] ●
الفصل الأول: قول كلي في الأسباب

أسباب أحوال البدن وقد قدمناها، أعني الصحة والمرض، والحال المتوسطة بينهما ثلاثة: السابقة والبادية والواصلة، وتشترك السابقة والواصلة في أنهما أمور بدنية، أعني خلطية، أو مزاجية، أو تركيبية. والأسباب البادية هي من أمور خارجة عن جوهر البدن، إما من جهة أجسام خارجة مثل ما يحدث عن الضرب وسخونة الجو والطعام الحار أو البارد الواردين على البدن، وإما من جهة النفس، فإن النفس شيء آخر غير البدن مثل ما يحدث عن الغضب والخوف وما يشبههما.
والأسباب السابقة والبادية تشترك في أنه قد يكون بينهما وبين هذه الأحوال واسطة ما.
والأسباب البادية والأسباب الواصلة تشترك في أنه قد لا يكون بينهما وبين الحالة المذكورة واسطة، لكن الأسباب السابقة تنفصل عن الأسباب الواصلة بأن الأسباب السابقة لا يليها الحالة بل بينهما أسباب أخرى أقرب إلى الحالة من السابقة.
والأسباب السابقة تنفصل من البادية بأنها بدنية، وأيضاً فإن الأسباب السابقة يكون بينها وبين الحالة واسطة لا محالة. والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك.
والأسباب الواصلة لا يكون بينها وبين الحالة واسطة البتة. والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك، بل الأمر أن فيها ممكنان فالأسباب السابقة هي أسباب بدنية أعني خلطية، أو مزاجية، أو تركيبية، هي الموجبة للحالة إيجاباً غير أولي أعني توجبها بواسطة. والأسباب الواصلة أسباب بدنية توجب أحوالاً بدنية إيجاباً أولياً أي بغير واسطة والأسباب البادية أسباب غير بدنية توجب أحوالاً بدنية إيجاباً أولياً وغير أولي مثال الأسباب السابقة الإمتلاء للحمى، وإمتلاء أوعية العين لنزول الماء فيها. ومثال الأسباب الواصلة العفونة للحمى، والرطوبة السائلة إلى النفث للسدة، والسدة للحمى، ومثال الأسباب البادية حرارة الشمس وشدة الحرارة، أو الغم أو السهر أو تناول شيء مسخن كالثوم. كل ذلك للحمى، أو الضربة للانتشار ونزول الماء في العين. وكل سبب إما سبب بالذات، كالفلفل يسخن والأفيون يبرد، وإما بالعرض كالماء البارد إذا سخن بالتكثيف وتحقن الحرارة، والماء الحار إذا برد بالتحليل، والسقمونيا إذا برد باستفراغ الخلط المسخًن وليس كل سبب يصل إلى البدن يفعل فيه بل قد يحتاج مع ذلك إلى أمور ثلاثة: إلى قوة من قوته الفاعلة، وقوة من قوة البدن الإستعدادية، وتمكن من ملاقاة أحدهما الآخر زماناً في مثله يصدر ذلك الفعل عنه.
وقد تختلف أحوال الأسباب عند موجباتها، فربما كان السبب واحداً واقتضى في أبدان شتى أمراضاً شتى، أو في أوقات شتى أمراضاً شتى، وقد يختلف فعله في الضعيف والقوي وفي شديد الحسّ وضعيف الحس.
ومن الأسباب ما هو مخلِف ومنها ما هو غير مخلِف والمخلِف هو الذي إذا فارق، يبقى تأثيره. وغير المخلِف هو الذي يكون البرء مع مفارقته. ونقول: إن الأسباب المغيرة لأحوال الأبدان والحافظة لها، إما ضرورية لا يتأتى للإنسان التفصي عنها في حياته، وإما غير ضرورية. والضرورية ستة أجناس: جنس الهواء المحيط وجنس ما يؤكل ويشرب وجنس الحركة والسكون البدنيين وجنس الحركات النفسانية وجنس النوم واليقظة وجنس الاستفراغ والاحتقان فلنشرع أولاً في جنس الهواء.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثاني : تأثير الهواء المحيط بالأبدان ] ●

الهواء عنصر لأبداننا وأرواحنا، ومع أنه عنصر لأبداننا وأرواحنا فهو مددة يصل إلى أرواحنا، ويكون علة إصلاحها لا كالعنصر فقط، لكن كالفاعل أعني المعدل وقد بيّنا ما نعني بالروح فيما سلف، ولسنا نعني به ما تسميه الحكماء النفس. وهذا التعديل الذي يصدر عن الهواء في أرواحنا يتعلق بفعلين هما الترويح والتنقية.
والترويح هو تعديل مزاج الروح الحار إذا أفرط بالإحتقان في الأكثر وتغيّره- وأعني بالتعديل- التعديل الإضافي الذي علمته، وهذا التعديل يفيده الإستنشاق من الرئة. ومن منافس النبض المتصلة بالشرايين والهواء الذي يحيط بأبداننا بارد جداً بالقياس إلى مزاج الروح الغريزي فضلاً عن المزاج الحادث بالاحتقان، فإذا وصل إليه صدمه الهواء و خالطه ومنعه عن الإستحالة إلى النارية والإحتقانية المؤدية إلى سوء مزاج يزول به عن الاستعداد لقبول التأثر النفساني فيه الذي هو سبب الحياة وإلى تحلل نفس جوهره البخاري الرطب.
وأما التنقية فهي باستصحابه عند رد النفس ما تسلمه إليه القوة المميّزة من البخار الدخاني الذي نسبته إلى الروح نسبة الخلط الفضلي إلى البدن. والتعديل هو بورود الهواء على الروح عند الاستنشاق، والتنقية بصدوره عنه عند رد النفس، وذلك لأن الهواء المستنشق إنما يحتاج إليه في تعديله أول وروده أن يكون بارداً بالفعل، فإذا إستحال إلى كيفية الروح بالتسخين لطول مكثه بطلت فائدته فاستغنى عنه. واحتيج إلى هواء جديد يدخل ويقوم مقامه فاحتيج ضرورة إلى إخراجه لإخلاء المكان لمعاقبة ولتندفع معه فضول جوهر الروح والهواء ما دام معتدلاَ وصافياً ليس يخالطه جوهر غريب مناف لمزاج الروح، فهو فاعل للصحة وحافظ لها، فإذا تغير فعل ضد فعله. والهواء يعرض له تغيرات طبيعية وتغيرات غير طبيعية وتغيّرات خارجة عن المجرى الطبيعي مضادة له. والتغيرات الطبيعية هي التغيرات الفضلية فإنه يستحيل عند كل فصل إلى مزاج آخر.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثالث : طباع الفصول ] ●

اعلم أن هذه الفصول عند الأطباء غيرها عند المنجمين، فإن الفصول الأربعة عند المنجّمين هي أزمنة انتقالات الشمس في ربع، ربع، من فلك البروج مبتدئة من النقطة الربيعية، وأما عند الأطباء فإن الربيع هو الزمان الذي لا يحوج في البلاد المعتدلة إلى إدفاء يعتد به من البرد، أو ترويح يعتد به من الحر ويكون فيه ابتداء نشوء الأشجار، ويكون زمانه زمان ما بين الاستواء الربيعي أو قبله أو بعده بقليل إلى حصول الشمس في نصف من الثور. ويكون الخريف هو المقابل له في مثل بلادنا. ويجوز في بلاد أخرى أن يتقدم الربيع ويتأخر الخريف.
والصيف هو جميع الزمان الحار والشتاء هو جميع الزمان البارد فيكون زمان الربيع والخريف كل واحد منهما عند الأطباء أقصر من كل واحد من الصيف والشتاء.
وزمان الشتاء مقابل للصيف أو أقل أو أكثر منه بحسب البلاد.
فيشبه أن يكون الربيع زمان الأزهار ابتداء الأثمار والخريف زمان تغير لون الورق وابتداء سقوطه، وما سواهما شتاء وصيف. فنقول إن مزاج الربيع هو المزاج المعتدل وليس على ما يظن أنه حار رطب. وتحقيق ذلك بكنهه هو إلى الجزء الطبيعي من الحكمة بل ليسلم أن الربيع معتدل والصيف حار لقرب الشمس من سمت الرؤوس وقوة الشعاع الفائض عنها الذي يتوهم انعكاسه في الصيف، إما على زوايا حادة جداً، وإما ناكصاً على أعقابه في الخطوط التي نفذ فيها فيكثف عندها الشعاع.
وسبب ذلك في الحقيقة هو أن مسقط شعاع الشمس منه ما هو بمنزلة مخروط السهم من الأسطوانة، والمخروط كأنه ينفذ من مركز جرم الشمس إلى ما هو محاذيه. ومنه ما هو بمنزلة البسيط والمحيط، أو المقارب للمحيط وأن قوته عند سهمه أقوى إذ التأثير يتوجه إليه من الأطراف كلها، وأما ما يلي الأطراف فهو أضعف ونحن في الصيف واقعون في السهم أو بقرب منه ويدوم ذلك علينا، سكان العروض الشمالية. وفي الشتاء بحيث يقرب من المحيط، ولذلك ما يكون الضوء في الصيف أنور مع أن المسافة من مقامنا إلى مقام الشمس في قرب أوجهها أبعد. أما نسبة هذا القرب والبعد فتبتين في الجزء النجومي من الجزء الرياضي من الحكمة. وأما تحقيق إشتداد الحر لاشتداد الضوء، فهو يتبين في الجزء الطبيعي من الحكمة.
والصيف مع أنه حار فهو أيضاً يابس لتحلل الرطوبات فيه من شدّة الحرارة ولتخلخل جوهر الهواء ومشاكلته للطبيعة النارية ولقلة ما يقع فيه من الأنداء والأمطار.
والشتاء بارد رطب لضد هذه العلل.
وأما الخريف فإن الحر يكون قد انتقص فيه والبرد لا يستحكم بعد، وكأنَا قد حصلنا في الوسط من التبعد بين السهم المذكور وبين المحيط. فإذن هو قريب من الإعتدال في الحر والبرد إلا أنه غير معتدل في الرطوبة واليبوسة وكيف والشمس قد جففت الهواء، ولم يحدث بعد من العلل المرطبة ما يقابل تجفيف العلة المجففة، وليس الحال في التبريد كالحال في الترطيب لأن الإستحالة إلى البرودة تكون بسهولة، والإستحالة إلى الرطوبة لا تكون بتلك السهولة. وأيضاً ليست الإستحالة إلى الرطوبة بالبرد كالاستحالة إلى الجفاف بالحر لأن الاستحالة إلى الجفاف بالحر تكون بسهولة فإن أدنى الحر يجفف. وليس أدنى البرد يرطب، بل ربما كان أدنى الحرّ أقوى في الترطيب إذا وجد المادة من أدنى البرد فيه، لأنّ أدنى الحر يبخر ولا يحلّل. وليس أدنى البرد يكثف ويحقن ويجمع. ولهذا ليس حال بقاء الربيع على رطوبة الشتاء كحال بقاء الخريف على يبوسة الصيف، فإن رطوبة الربيع تعتدل بالحر في زمان لا تعتدل فيه يبوسة الخريف بالبرد ويشبه أن يكون هذا الترطيب والتجفيف شبيهاً بفعل ملكة وعدم، لا بفعل ضدين، لأن التجفيف في هذا الموضع ليس هو إلا إفقاد الجوهر الرطب.
والترطيب ليس هو إفقاد الجوهر اليابس، بل تحصيل الجوهر الرطب لأنا لسنا نقول في هذا الموضع هواء رطب وهواء يابس، ونذهب فيه إلى صورته أو كيفيته الطبيعية، بل لا نتعرض لهذا في هذا الموضع، أو نتعرض تعرضاً يسيراً، وإنما نعني بقولنا هواء رطب أي هواء خالطته أبخرة كثيفة مائية، أو هواء استحال بتكثفه إلى مشاكلة البخار المائي ، ونقول هواء يابس أي هواء قد تفشش عنه ما يخالطه من البخارات المائية، أو استحال إلى مشاكلة جوهر النار بالتخلخل، أو خالطته أدخنة أرضية تشاكل الأرض في تنشفها.
فالربيع ينتفض عنه فضل الرطوبة الشتوية مع أدنى حر يحدث فيه لمقارنة الشمس السمت.
والخريف ليس بأدنى برد يحدث فيه بترطب جوه. وإذا شئت أن تعرف هذا فتأمل هل تندى الأشياء اليابسة في الجو البارد كتجفف الأشياء الرطبة في الجو الحار على أن يجعل البارد في برده كالحار في حره تقريباً، فإنك إذا تأملت هذا وجدت الأمر فيهما مختلفاً على أن ههنا سبباَ آخر أعظم من هذا، وهو أن الرطوبات لا تثبت في الجور البارد والحار جميعاً إلاّ بدوام لحوق المدد. والجفاف ليس يحتاج إلى مدد البتة، وإنما صارت الرطوبة في الأجساد المكشوفة للهواء أو في نفس الهواء لا تثبت إلا بمدد، لأن الهواء إنما يقال له إنه شديد البرد بالقياس إلى أبداننا وليس يبلغ برده في البلاد المعمورة قبلنا إلى أن لا يحلل البتة، بل هو في الأحوال كلها محلل لما فيه من قوة الشمس والكواكب، فمتى انقطع المدد واستمر التحلل أسرع الجفاف.
وفي الربيع يكون ما يتحلل أكثر مما يتبخر، والسبب في ذلك أن التبخر يفعله أمران: حرارة ورطوبة لطيفة قليلة في ظاهر الجو، وحر كامن في الأرض قوي يتأذى منه شيء لطيف إلى ما يقرب من ظاهر الأرض.
وفي الشتاء يكون باطن الأرض حازَا شديد الحرارة، كما قد تبين في العلوم الطبيعية الأصلية وتكون حرارة الجو قليلة، فيجتمع إذن السببان للترطيب وهو التصعيد ثم التغليظ ولا سيما والبرد أيضاً يوجب في جوهر الهواء نفسه تكاثفاً واستحال إلى البخارية.
وأما في الربيع، فان الهواء يكون تحليله أقوى من تبخيره، والحرارة الباطنة الكامنة تنقص جداً ويظهر منها ما يميل إلى بارز الأرض دفعه شيء، هو أقوى من المبخر أو شيء هو لطيف التبخير لشدة استيلائه على المادة فيلطفها: ويصادف تبخيره اللطيف زيادة حر الجو فيتمّ به التحليل. هذا بحسب الأكثر وبحسب انفراد هذه الأسباب دون أسباب أخرى توجب أشياء غير ما ذكرناه. ثم لا تكون هناك مادة كثيرة تلحق ما يصعد ويلطف، فلهذا يجب أن يكون طباع الربيع إلى الاعتدال في الرطوبة واليبس، كما هو معتدل في الحرارة والبرودة على إنا لا نمنع أن تكون أوائل الربيع إلى الرطوبة ما هي إلا أن بعد ذلك عن الإعتدال ليس كبعد مزاج الخريف من اليبوسة عن الاعتدال، ثم إن الخريف من لم يحكم عليه بشدة الإعتدال في الحر والبرد لم يبعد عن الصواب، فإن ظهائره صيفية لأن الهواء الخريفي شديد اليبس مستعد جداً لقبول التسخين والاستحالة إلى مشاكلة النارية بتهيئة الصيف إياه لذلك ولياليه وغدواته باردة لبعد الشمس في الخريف عن سمت الرؤوس ولشدة قبول اللطيف المتخلخل لتأثير ما يبرد. وأما الربيع فهو أقرب إلى الاعتدال في الكيفيتين لأن جوه لا يقبل من السبب المشاكل للسبب في الخريف ما يقبله جو الخريف من التسخين والتبريد فلا يبعد ليله كثيراً عن نهاره. فإن قال قائل: ما بال الخريف يكون ليله أبرد من ليل الربيع وكان يجب أن يكون هواؤه أسخن لأنه ألطف، فنجيبه ونقول: إن الهواء الشديد التخلخل يقبل الحرّ والبرد أسرع، وكذلك الماء الشديد التخلخل، ولهذا إذا سخنت الماء وعرضته للإجماد كان أسرع جموداً من البارد لنفوذ التبريد فيه لتخلخله، على أن الأبدان لا تحس من برد الربيع ما تحس من برد الخريف لأن الأبدان في الربيع منتقلة من البرد إلى الحرّ متعودة للبرد وفي الخريف بالضدّ، وعلى أن الخريف متوجه إلى الشتاء ، والربيع مسافر عنه. واعلم أن اختلاف الفصول قد يثير في كل إقليم ضرباً من الأمراض ويجب على الطبيب أن يتعرف ذلك في كل إقليم حتى يكون الاحتراز والتقدم بالتدبير مبنياً عليه، وقد يشبه اليوم الواحد أيضاً بعض الفصول دون بعض فمن الأيام ما هو شتوي ومنها ما هو صيفي ومنها ما هو خريفي يسخن ويبرد في يوم واحد.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الرابع : أحكام الفصول وتعابيرها ] ●

كل فصل يوافق من به مزاج صحي مناسب له، ويخالف من به سوء مزاج غير مناسب له إلا إذا عرض خروج عن الاعتدال جداً فيخالف المناسب وغير المناسب بما يضعف من القوة، وأيضاً فإن كل فصل يوافق المزاج العرضي المضاد له، وإذا خرج فصلان عن طبعهما وكان مع ذلك خروجهما متضاداً ثم لم يقع إفراط متماد مثل أن يكون الشتاء كان جنوبياً، فورد عليه ربيع شمالي، كان لحوق الثاني بالأول موافقاً للأبدان معدلاً لها، فإن الربيع يتدارك جناية الشتاء. وكذلك إن كان الشتاء يابساً جداً والربيع رطباً جداً فإن الربيع يعدل بيبس الشتاء. وما لم تُفْرِط الرطوبة ولم يطل الزمان لم يتغيّر فعله عن الإعتدال إلى الترطيب الضار. تغيّر الزمان في فصل واحد أقل جلباً للوباء من تغيره في فصول كثيرة تغيّراً جالباً للوباء ليس تغير امتداد كالماء يجنيه التغيّر الأول على ما وصفنا. وأولى أمزجة الهواء بأن يستحيل إلى العفونة هو مزاج الهواء الحار الرطب، وأكثر ما تعرض تغيرات الهواء إنما هو في الأماكن المختلفة الأوضاع والغائرة، ويقلّ في المستوية والعالية خصوصاً. ويجب أن تكون الفصول ترد على واجباتها فيكون الصيف حاراً والشتاء بارداً، وكذلك كل فصل فإن انخرق ذلك، فكثيراً ما يكون سبباً لأمراض رديئة. والسنة المستمرة الفصول على كيفية واحدة، سنة رديئة مثل أن يكون جميع السنة رطباً أو يابساً أو حاراً أو بارداً، فإن مثل هذه السنة تكون كثيرة الأمراض المناسبة ليكفيتها، ثم تطول مددها، فان الفصل الواحد يثير المرض اللائق به، فكيف السنة مثل أن الفصل البارد إذا وجد بدناً بلغمياً حرك الصرع والفالج والسكتة والقوة والتشنُّج وما يشبه ذلك. والفصل الحار إذا وجد بدناً صفراوياً أثار الجنون والحمّيات الحادة والأورام الحارة، فكيف إذا استمرت السنة على طبع الفصل. وإذا استعجل الشتاء استعجلت الأمراض الشتوية، وإن استعجل الصيف استعجلت الأمراص الصيفية، وتغيّرت الأمراض التي كانت قبلها بحكم الفصل، وإذا طال فصل كثرت أمراضه وخصوصاً الصيف والخريف. واعلم أن لانقلاب الفصول تأثيراً ليس هو بسبب الزمان لأنه زمان، بل لما يتغيّر معه من الكيفية هو تأثير عظيم في تغيّر الأحوال وكذلك لو تغيّر الهواء في يوم واحد من الحر إلى برد لتغيّر مقتضاهما في الأبدان. وأصح الزمان هو أن يكون الخريف مطيراً والشتاء معتدلاً ليس عادماً للبرد ولكن غير مفرط فيه بالقياس إلى البلد. هان جاء الربيع مطيراً ولم يخل الصيف من مطر فهو أصحّ ما يكون.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الخامس : الهواء الجيد ] ●

الهواء الجيّد في الجوهر، هو الهواء الذي ليس يخالطه من الأبخرة والأدخنة شيء غريب ، وهو مكشوف للسماء غير محقون للجدران والسقوف، اللهم إلا في حال ما يصيب الهواء فساد عام فيكون المكشوف أقبل له من المغموم والمحجوب، وفي غير ذلك فإن المكشوف أفضل. فهذا الهواء الفاضل نقي صافٍ لا يخالطه بخار بطائح وآجام وخنادق وأرضين نزه ومباقل ، وخصوصاً ما يكون فيه مثل الكرنب والجرجير، وأشجار خبيثة الجوهر مثل الجوز والشوحط والتين وأرياح عفنة، ومع ذلك يكون بحيث لا يحتبس عنه الرياح الفاضلة، لأنّ مَهابُّها أرض عالية ومستوية فليس ذلك الهواء هواء محتبساً في وهدة يسخن مع طلوع الشمس ويبرد مع غروبها بسرعة، ولا أيضاً محقوناً في جدران حديثة العهد بالصهاريج ونحوها لم تجف بعد تمام جفافها، ولا عاصياً على النفس كأنما يقبض على الحلق، وقد علمت أن تغيرات الهواء منها طبيعية، ومنها مضادة للطبيعة، ومنها ما ليس بطبيعي ولا خارج عنه، واعلم أن تغيرات الهواء التي ليست عن الطبيعة كانت مضادة أو غير مضادة قد تكون بأدوار، وقد تكون غير حافظة للأدوار، وأصح أحوال الفصول أن تكون على طبائعها فإن تغيرها يجلب أمراضاً.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل السادس : كيفيات الأهوية ومقتضيات الفصول ] ●

الهواء الحار يحلل ويرخي، فإن اعتدل حمر اللون بجذب الدم إلى خارج، وإن أفرط صفره بتحليله لما يجذب، وهو يكثر العرق، ويقلل البول ويضعف الهضم ويعطش والهواء البارد يشد ويقوي على الهضم ويكثر البول لاحتقان الرطوبات وقلة تحلّلها بالعرق ونحوه، ويقلل الثفل لانعصار عضل المقعدة ومساعدة المعي المستقيم لهيئتها فلا ينزل الثفل لفقدان مساعدة المجرى، فيبقى كثيراً وتحلل مائيته إلى البول. والهواء الرطب يليّن الجلد ويرطب البدن. واليابس يفحل البدن يجفف الجلد. والهواء الكدر يوحش النفس ويثير الأخلاط. والهواء الكدر غير الهواء الغليظ، فإن الهواء الغليظ هو المتشابه في خثورة جوهره، والكدر هو المخالط لأجسام غليظة. ويدل على الأمرين قلة ظهور الكواكب الصغار وقلة لمعان ما يلمع من الثوابت كالمرتعش. وسببهما كثرة الأبخرة والأدخنة وقلة الرياح الفاضلة. وسيعود لك الكلام في هذا المعنى ويتم إذا شرعنا في تغييرات الهواء الخارجة عن المجرى الطبيعي. وكل فصل يرد على واجبه أحكام خاصة ويشترك آخر كل فصل وأول الفصل الذي يتلوه في أحكام الفصلين وأمراضهما.
والربيع إذا كان على مزاجه فهو أفضل فصل وهو مناسب لمزاج الروح والدم، وهو مع اعتداله الذي ذكرناه يميل عن قرب إلى حرارة لطيفة سمائية ورطوبة طبيعية، وهو يحمر اللون لأنه يجذب الدم باعتدال، ولم يبلغ أن يحلله تحليل الصيف الصائف. والربيع تهيج فيه الأمراض المزمنة لأنه يجري الأخلاط الراكدة ويسيلها، ولذلك السبب تهيج فيه ماليخوليا أصحاب الماليخوليا ومن كثرت أخلاطه في الشتاء لنهمه وقلة رياضته استعد في الربيع للأمراض التي تهيج من تلك المواد بتحليل الربيع لها، وإذا طال الربيع واعتداله قلت الأمراض الصيفية. وأمراض الربيع اختلاف الدم والرعاف وتهيج الماليخوليا التي في طبع المرة والأورام والدماميل والخوانيق وتكون قتالة وسائر الخراجات، ويكثر فيه انصداع العروق ونفث الدم والسعال، وخصوصاً في الشتوي منه الذي يشبه الشتاء ويسوء أحوال من بهم هذه الأمراض، وخصوصاً السد، ولتحريكه في المبلغمين مواد البلغم تحدث فيه السكتة والفالج وأوجاع المفاصل وما يوقع فيها حركة من الحركات البدنية والنفسانية مفرطة، وتناول المسخنات أيضاً، فإنهما يعينان طبيعة الهواء ولا يُخَلص من أمراض الربيع شيء، كالفصد والإستفراغ والتقليل من الطعام والتكثير من الشراب والكسر من قوة الشراب المسكر بمزجه . والربيع موافق للصبيان ومن يقرب منهم.
وأما الشتاء فهو أجود للهضم لحصر البرد جوهر الحار الغريزي، فيقوي ولا يتحلل ولقلة الفواكه واقتصار الناس على الأغذية الخفيفة وقلة حركاتهم فيه على الإمتلاء، ولإيوائهم إلى المدافىء، وهو أكثر الفصول للمدة السوداء لبرده وقصر نهاره مع طول ليله. وأكثرها حقناً للمواد وأشدها إحواجاً إلى تناول المقطعات والملطفات والأمراض الشتوية أكثرها بلغمية. ويكثر فيه البلغم حتى إن أكثر القيء فيه البلغم ولون الأورام يكون فيه إلى البياض على أكثر الأمر. ويكثر فيه أمراض الزكام ويبتدىء الزكام مع اختلاف الهواء الخريفي، ثم يتبعه ذات الجنب وذات الرئة والبحوحة وأوجاع الحلق، ثم يحدث وجع الجنب نفسه والظهر وآفات العصب والصداع المزمن، بل السكتة والصرع كل ذلك لإحتقان المواد البلغمية وتكثرها. والمشايخ يتأذون بالشتاء، وكذلك من يشبههم. والمتوسطون ينتفعون به، ويكثر الرسوب في البول شتاء بالقياس إلى الصيف، ومقداره أيضاً يكون أكثر.
وأما الصيف فإنه يحلل الأخلاط ويضعف القوة والأفعال الطبيعية لسبب إفراط التحليل، ويقل الدم فيه والبلغم، ويكثر المرار الأصفر، ثم في آخره المرار الأسود بسبب تحلل الرقيق واحتباس الغليظ واحتقانه. وتجد المشايخ ومن يشبههم أقوياء في الصيف ويصفر اللون بما يحلل من الدم الذي يجذبه وتقصر فيه مدد الأمراض لأن القوة إن كانت قوية وجدت من الهواء معيناً على التحليل، فأنضجت مادة العلة ودفعتها، وإن كانت ضعيفة زادها الحر الهوائي ضعفاً بالإرخاء فسقت ومات صاحبها. والصيف الحار اليابس سريعاً ما يفصل الأمراض والرطب مضاغ طويل مدد الأمراض، ولذلك يؤول فيه أكثر القروح إلى الآكلة، ويعرض فيه الاستسقاء وزلق الأمعاء وتلين الطبع ويعين في جميع ذلك كله كثرة إنحدار الرطوبات من فوق إلى أسفل، وخصوصاً من الرأس. وأما الأمراض القيظية فمثل حتى الغبّ والمطبقة والمحرقة وضمور البدن.
ومن الأوجاع أوجاع الأذن والرمد ويكثر فيه خاصة، إذا كان عديم الريح، الحمرة والبثور التي تناسبها وإذا كان الصيف ربيعياً كانت الحميات حسنة الحال غير ذات خشونة وحدة يابسة وكثر فيه العرق، وكان متوقعاً في البحارين لمناسبة الحار الرطب، لذلك فإن الحار يخلل والرطب يرخي ويوسع المسام. وإن كان الصيف جنوبياً كثرت فيه الأوبئة وأمراض الجدري والحصبة.
وأما الصيف الشمالي فإنه منضج، لكنه يكثر فيه أمراض العصر. وأمراض العصر أمراض تحدث من سيلان المواد بالحرارة الباطنة أو الظاهرة إذا ضربتها برودة ظاهرة فعصرتها وهذه الأمراض كلها كالنوازل وما معها، وإذا كان الصيف الشمالي يابساً انتفع به البلغميون والنساء وعرض لأصحاب الصفراء رمد يابس وحميات حارة مزمنة، وعرض من احتراق الصفراء للإحتقان غلبة سوداء.
وأما الخريف فإنه كثير الأمراض لكثرة تردد الناس فيه في شمس حارة ثم رواحهم إلى برد، ولكثرة الفواكه وفساد الأخلاط بها ولانحلال القوة في الصيف. والأخلاط تفسد في الخريف بسبب المأكولات الرديئة وبسبب تخلل اللطيف وبقاء الكثيف وإحتراقه. وكلما أثار فيها خلط من تثوير الطبيعة للدفع والتحليل رده البرد إلى الحقن، ويقلّ الدم في الخريف جداً، بل هو مضاد للدم في مزاجه فلا يعين على توليده، وقد تقدّم تحليل الصيف الدم وتقليله منه. ويكثر فيه من الأخلاط المرار الأصفر بقية عن الصيف والأسود لترمد الأخلاط في الصيف، فلذلك تكثر فيه السوداء لأن الصيف يرمد والخريف يبرد. وأول الخريف موافق للمشايخ موافقة ما وآخره يضرهم مضرّة شديدة.
وأمراض الخريف هي الجرب المتقشر والقوابي والسرطانات وأوجاع المفاصل والحيّات المختلطة وحميات الربع لكثرة السوداء لما أوضحناه من علة، ولذلك يعظم فيه الطحال ويعرض فيه تقطير البول لما يعرض للمثانة من اختلاف المزاج في الحرّ والبرد، ويعرض أيضاً عسر البول وهو أكثر عروضاً من تقطير البول، ويعرض فيه زلق الأمعاء وذلك لدفع البرد فيه ما رق من الأخلاط إلى باطن البدن، ويعرض فيه عرق النسا أيضاً، وتكون فيه الذبحة لذاعة مرارية، وفي الربيع بلغمية لأن مبدأ كل منهما من الخلط الذي يثيره الفصل الذي قبله، ويكثر فيه إيلاوس اليابس وقد يقع فيه السكتة وأمراض السكتة وأمراض الرئة وأوجاع الظهر والفخذين بسبب حركة الفصول في الصيف، ثم انحصارها فيه. ويكثر فيه الديدان في البطن لضعف القوة عن الهضم والدفع ويكثر خصوصاً في اليابس منه الجدري، وخصوصاً إذا سبقه صيف حار، ويكثر فيه الجنون أيضاً لرداءة الأخلاط المرارية ومخالطة السوداء لها . والخريف أضر الفصول بأصحاب قروح الرئة الذين هم أصحاب السل، وهو يكشف المشكل في حاله إذا كان ابتدأ ولم يستبن آياته، وهو من أضر الفصول بأصحاب الدقّ المفرد أيضا بسبب تجفيفه. والخريف كالكافل عن الصيف بقايا أمراضه، وأجود الخريف أرطبه والمطير منه واليابس منه أردؤه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل السابع : أحكام تركيب السنة ] ●

إذا ورد ربيع شمالي على شتاء جنوبي ثم تبعه صيف ومدّ، وكثرت المياه وحفظ الربيع المواد إلى الصيفّ، كثر الموتان في الخريف في الغلمان وكثر السحج وقروح الأمعاء والغب الغير الخالصة الطويلة. فإن كان الشتاء شديد الرطوبة أسقطت اللواتي تتربصن وضعهن ربيعاً بأدنى سبب. وإن ولدن أضعفن وأمتن أو أسقمن. ويكثر بالناس الرمد واختلاف الدم، والنوازل تكثر حينئذ، وخصوصاً بالشيوخ، وينزل في أعصابهم فربما ماتوا منها فجأة لهجومها على مسالك الروح دفعة مع كثرة، فإن كان الربيع مطيراً جنوبياً، وقد ورد على شتاء شمالي كثر في الصيف الحميات الحارة والرمد ولين الطبيعة واختلاف الدم، وأكثر ذلك كله من النوازل واندفاع البلغم المجتمع شتاء، إلى التجاويف الباطنة لما حرّكه الحر، وخصوصاً لأصحاب الأمزجة الرطبة مثل النساء ويكثر العفن وحمياته، فإن حدث في صيقهم- وقت طلوع الشعرى- مطر وهبت شمال، رجي خير وتحللت الأمراض.
وأضر ما يكون هذا الفصل إنما هو بالنساء والصبيان، ومن ينجو منهم يقع إلى الربع لإحتراق الأخلاط وترمدها وإلى الاستسقاء بعد الربع بسبب الربع وأوجاع الطحال وضعف الكبد، لذلك ويقل ضرره في المشايخ وبدن من يخاف عليه التبريد.
وإذا ورد على صيف يابس شمالي خريف مطير جنوبي إستعدت الأبدان لأن تصدع في الشتاء وتسعل وتبح حلوقها وتسل لأّنها يعرض لها كثيراً أن تزكم، ولذلك إذا ورد على صيف يابس جنوبي خريف مطير شمالي، كثر أيضاً في الشتاء الصداع، ثم النزلة والسعال والبحوحة. وإن ورد على صيف جنوبي خريف شمالي، كثرت فيه أمراض العصر والحقن.
وإذا تطابق الصيف والخريف في كونهما جنوبيين رطبين، كثرت الرطوبات. فإذا جاء الشتاء جاءت أمراض العصر المذكورة. ولا يبعد أن يؤدي الإحتقان وارتكام المواد لكثرتها وفقدان المنافس إلى أمراض عفنية. ولم يخل الشتاء عن أن يكون ممرضاً لمصادفته مواد رديئة محتقنة كثيرة.
وإذا كانا معاً يابسين شماليين انتفع من يشكو الرطوبة والنسا. وغيرهم يعرض له رمد يابس ونزلة مزمنة وحميات حارة وماليخوليا.
ثم اعلم أن الشتاء البارد المطير يحدث حرقة البول وإذا اشتدت حرارة الصيف ويبوسته حدثت خوانيق قتالة وغير قتالة ومنفجرة وغير منفجرة. والمنفجرة تكون داخلاً وخارجاً وحدث عسر بول وحصبة وحميقاً وجمري سليمات ورمد وفساد دم وكرب واحتباس طمث ونفث. والشتاء اليابس- إذا كان ربيعه يابساً- فهو رديء. والوباء يفسد الأشجار والنبات فتفسد معتلفاتها من الماشية فتفسد آكليها من الناس.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثامن : تأثير التغيّرات الهوائية ] ●
التي ليست بمضادة للمجرى الطبيعي جداً

ويجب أن نستكمل الآن القول في سائر التغييرات الغير الطبيعية للهواء، ولا المضادة للطبيعية التي نعرض بحسب أمور سماوية وأمور أرضية، فقد أومأنا إلى كثير منها في ذكر الفصول، فأما التابعة للأمور السماوية، فمثل ما يعرض بسبب الكواكب، فإنها تارة يجتمع كثير من الدراري ، منها في حيز واحد، ويجتمع مع الشمس، فيوجب ذلك إفراط التسخين فيما يسامته من الرؤوس، أو يقرب منه، وتارة يتباعد عن سمت الرؤوس بعداً كثيراً، فينقص من التسخين، وليس تأثير المسامتة في التسخين كتأثير دوام المسامتة أو المقاربة. وأما الأمور الأرضية، فبعضها بسبب عروض البلاد، وبعضها بسبب ارتافاع بقعة البلاد وانخفاضها، وبعضها بسبب الجبال، وبعضها بسبب البحار، وبعضها بسبب الرياح، وبعضها بسبب التربة. وأما الكائن بسبب العروض، فإن كل بلد يقارب مدار رأس السرطان في الشمال، أو مدار رأس الجدي في الجنوب، فهو أسخن صيفاً من الذي يبعد عنه إلى خط الاستواء وإلى الشمال. ويجب أن يصدق قول من يرى أن البقعة التي تحت دائرة معدل النهار قريبة إلى الاعتدال، وذلك أن السبب السماوي المسخن هناك هو سبب واحد، هو مسامتة الشمس للرأس، وهذه المسامتة وحدها لا تؤثر كثير أثر، بل إنما تؤثر مداومة المسامتة. ولهذا ما يكون الحرّ بعد الصلاة الوسطى أشد منه في وقت استواء النهار. ولهذا ما يكون الحر والشمس في آخر السرطان وأوائل الأسد أشد منه إذا كانت الشمس في غاية الميل. ولهذا تكون الشمس إذا انصرفت عن رأس السرطان إلى حد ما هو دونه في الميل أشد تسخيناً منها إذا كانت في مثل ذلك الحد من الميل، ولم يبلغ بعد رأس السرطان والبقعة المسامتة لخط الاستواء، إنما تسامت فيها الشمس الرأس أياماً قليلة، ثم تتباعد بسرعة، لأن تزايد أجزاء الميل عند العقدتين، أعظم كثيراً من تزايدها عند المنقلبين، بل ربما لم يؤثر عند المنقلبين حركة أيام ثلاثة وأربعة، وأكثر أثراً محسوساً، ثم إن الشمس تبقى هناك في حين واحد متقارب مدة مديدة، فيمعن في الإسخان، فيجب أن يعتقد من هذا أن البلاد التي عروضها متقاربة للميل كله هي أسخن البلاد، وبعدها ما يكون بعده عنه في الجانبين القطبيين مقارباً لخمس عشرة درجة، ولا يكون الحرّ في خط الاستواء بذلك المفرط الذي يوجبه المسامتة في قرب مدارس رأس السرطان في المعمورة، لكن البرد في البلاد المتباعدة عن هذا المدار إلى الشمالي أكثر. فهذا ما يوجبه اعتبار عروض المساكن على أنها في سائر الأحوال متشابهة.
وأما الكائن بحسب وضع البلد في نجد من الأرض أو غور، فإن الموضوع في الغور أسخن أبداً، والمرتفع العالي مكانه أبرد أبداً، فإن ما يقرب من الأرض من الجو الذي نحن فيه أسخن لاشتداد شعاع الشمس قرب الأرض، وما يبعد منه إلى حدّ هو أبرد. والسبب فيه في الجزء الطبيعي من الحكمة، وإذا كان الغور مع ذلك كالهوة، كان أشد حصراً للشعاع وأسخن. وأما الكائن بسبب الجبال، فما كان الجبل فيه بمعنى المستقر، فهو داخل في القسم الذي بيناه وما كان الجبل فيه بمعنى المجاورة، فهو الذي نريد أن نتكلم الآن فيه، فنقول: إن الجبل يؤثر في الجو على وجهين: أحدهما من جهة رده على البلد شعاع الشمس أو ستره إياه دونه، والآخر من جهة منعه الريح أو معاونته لهبوبها، أما الوؤل فمثل أن يكون في البلاد حتى في الشماليات منها جبل مما يلي الشمال من البلد، فتشرق عليه الشمس في مدارها، وينعكس تسخينه إلى البلد فيسخنه. وإن كان شمالياً، وكذلك إن كانت الجبال من جهة المغرب فانكشف المشرق. وإن كان من جهة المشرق، كان دون ذلك في هذا المعنى، لأن الشمس إذا زالت فأشرقت على ذلك الجبل، فإنها كل ساعة تتباعد عنه، فينقص من كيفية الشعاع المشرق منها عليه، ولا كذلك إذا كان الجبل مغربياً والشمس تقرب منه كل ساعة. وأما من جهة منع الريح، فأن يكون الجبل يصد عن البلد مهب الشمال المبرد، أو يكبس إليه مهب الجنوبي المسخن، أو يكون البلد موضوعاً بين صدفي جبلين منكشفاً لوجه ريح، فيكون هبوب تلك الريح هناك أشد منه في بلد مصحر ، لأن الهواء من شأنه إذا انجذب في مسلك ضيق أن يستمر به الانجذاب فلا يهدأ، وكذلك الماء وغيره، وعلته معروفة في الطبيعيات. وأعدل البلاد من جهة الجبال وسترها والانكشاف عنها، أن تكون مكشوفة للمشرق والشمال، مستورة نحو المغرب والجنوب. وأما البحار، فإنها توجب زيادة ترطيب للبلاد المجاورة لها جملة. فإن كانت البحار في الجهات التي تلي الشمال، كان ذلك معيناَ على تبريدها بترقرق ريح الشمال على وجه الماء الذي هو بطبعه بارد. وإن كان مما يلي الجنوب، أوجب زيادة في غلظ الجنوب، وخصوصاً إن لم تجد منفذاً لقيام جبل في الوجه. وإذا كان في ناحية المشرق، كان ترطيبه للجو أكثر منه إذا كان في ناحية المغرب، إذ الشمس تلح عليه بالتحليل المتزايد مع تقارب الشمس، ولا تلح على المغربية. وبالجملة، فإن مجاورة البحر توجب ترطيب الهواء، ثم إن كثرت الرياح وتسربت ولم تعارض بالجبال، كان الهواء أسلم من العفونة. فإن كانت الرياح لا تتمكن من الهبوب، كانت مستعدة للتعقن وتعفين الأخلاط. وأوفق الرياح لهذا المعنى هي الشمالية، ثم المشرقية، والمغربية. وأضرها الجنوبية.
وأما الكائن بسبب الرياح فالقول فيها على وجهين: قول كلّي مطلق، وقول بحسب بلد بلد وما يخصه. فأما القول الكلي، فإن الجنوبية في أكثر البلاد حارة رطبة. أما الحرارة فلأنها تأتينا من الجهة المتسخنة بمقاربة الشمس، وأما الرطوبة فلأن البحار أكثرها جنوبية عنا. ومع أنها جنوبية، فإن الشمس تفعل فيها بقوة وتبخر عنها أبخرة تخالط الرياح، فلذلك صارت الرياح الجنوبية مرخية. وأما الشمالية، فإنها باردة لأنها تجتاز على جبال وبلاد باردة كثيرة الثلوج، ويابسة لأنها لا يصحبها أبخرة كثيرة لأن التحلل في جهة الشمال أقل، ولا تجتاز على مياه سائلة بحرية، بل إما أن تجتاز في الأكثر على مياه جوامد، أو على البراري. والمشرقية معتدلة في الحر والبرد، لكنها أيبس من المغربية، إذ شمال المشرق أقل بخاراً من شمال المغرب. ونحن شماليون لا محالة، والمغربية أرطب يسيراً لأنها تجتاز على بحار، ولأن الشمس تخالفها بحركتها، فإن كل واحد من الشمس، ومنها كالمضاد للآخر في حركته، فلا تحللها الشمس تحليلها للرياح المشرقية، وخصوصاً وأكثر مهب الرياح المشرقيات عند ابتداء النهار، وأكثر مهب المغربيات عند آخر النهار. ولذلك كانت المغربيات أقل حرارة من المشرقيات وأميل إلى البرد، والمشرقيات أكثر حراً، وإن كانا كلاهما بالقياس إلى الرياح الجنوبية والشمالية معتدلين. وقد تتغير أحكام الرياح في البلاد بحسب أسباب أخرى. فقد يتفق في بعض البلاد أن تكون الرياح الجنوبية فيها أبرد إذا كان بقربها جبال ثالجة جنوبية، فتستحيل الريح الجنوبية بمرورها عليها إلى البلاد، وربما كانت الشمالية أسخن من الجنوبية إذا كان مجتازها ببراري محترقة. وأما النسائم، فهي إما رياح مجتازة ببراري حارة جداً، وإما رياح من جنس الأدخنة التي تفعل في الجو علامات هائلة شبيهة بالنار، فإنها إن كانت ثقيلة يعرض لها هناك اشتغال أو التهاب، ففارقها اللطيف نزل الثقيل وبه بقية التهاب ونارية، فإن جميع الرياح القوية على ما يراه علماء القدماء إنما يبتدىء من فوق، وإن كان مبدأ موادها من أسفل، لكن مبدأ حركاتها وهبوبها وعصوفها من فوق. وهذا، إما أن يكون حكماً عاماً، أو أكثرياً. وتحقيق هذا إلى الطبيعي من الفلسفة. ونحن نذكر في المساكن فضلاً في هذا. وأما اختلاف البلاد بالتربة، فلأن بعضها طينة حرة، وبعضها صخري، وبعضها رملي، وبعضها حمئي ، أو سنجي، ومنها ما يغلب على تربته قوة مدنية يؤثر جميع ذلك في هوائه ومائه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل التاسع : التغيرات الهوائية الرديئة ] ●

المضادة للمجرى الطبيعي وأما التغيرات الخارجة عن الطبيعة، فإما لاستحالة في جوهر الهواء، وإما لاستحالة في كيفياته. أما الذي في جوهره، فهو أن يستحيل جوهره إلى الرداءة لأن كيفية منه أفرطت في الاشتداد أو النقص، وهذا هو الوباء وهو بعض تعفن يعرض في الهواء يشبه تعفن الماء المستنقع الآجن . فإنا لسنا نعني بالهواء البسيط المجرد فان ذلك ليس هو الهواء الذي يحيط بنا، فإن كان موجوداً صرفاً، نعني أن يكون غيره. وكل واحد من البسائط المجرّدة فإنه لا يعفن، بل إما أن يستحيل في كيفيته، وإما أن يستحيل في جوهره إلى البسبط الَاخر بأن يستحيل مثل الماء هواء، بل إنما نعني بالهواء الجسم المبثوث في الجو، وهو جسم ممتزج من الهواء الحقيقي ومن الأجزاء المائية البخارية ومن الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار، ومن أجزاء نارية . وإنما نقول له كما نقول لماء البحر والبطائح ماء. وإن لم يكن ماء صرفاً بسيطاً بل كان ممتزجاً من هواء وأرض ونار، لكن الغالب فيه الماء فهذا الهواء قد يعفن ويستحيل جوهره إلى الرداءة، كما أن مثل ماء البطائح قد يعفن فيستحيل جوهره إليها، وأكثر ما يعرض الوباء وعفونة الهواء هو اَخر الصيف والخريف، وسنذكر العوارض العارضة من الوباء في موضع آخر.
وأما الذي في كيفياته فهو أن يخرج في الحرّ أو البرد إلى كيفية غير محتملة حتى يفسد له الزرع والنسل، وذلك إما باستحالة مجانسة كمعمعة القيظ إذا فسد، أو استحالة مضادة كزمهرة البرد في الصيف لعرض عارض. والهواء إذا تغيّر عرضت منه عوارض في الأبدان فإنه إذا تعفن عفن الأخلاط وابتدأ بتعفين الخلط المحصور في القلب لأنه أقرب إليه وصولاً منه إلى غيره. وإن سخن شديداً أرخى المفاصل وحلل الرطوبات فزاد في العطش وحلل الروح، فأسقط القوى ومنع الهضم بتحليل الحار الغريزي المستبطن الذي هو آلة للطبيعة وصفر اللون بتحليله الأخلاط الدموية المحمرة اللون وتغليبه المرة على سائر الأخلاط، وسخن القلب سخونة غير غريزية وسيل الأخلاط وعفنها وميلها إلى التجاويف وإلى الأعضاء الضعيفة وليس بصالح للأبدان المحمودة، بل ربما نفع المستسقين والمفلوجين وأصحاب الكزاز البارد والنزلة الباردة والتشنج الرطب واللقوة الرطبة.
وأما الهواء البارد، فإنه يحصر الحار الغريزي داخلاً ما لم يفرط إفراطاً يتوغّل به إلى الباطن، فإنّ ذلك مميت والهواء البارد الغير المفرط يمنع سيلان المواد ويحبسها، لكنه يحدث النزلة ويضعف العصب ويضر بقصبة الرئة ضرراً شديداً، وإذا لم يفرط شديداً قوى الهضم وقوى الأفعال الباطنة كلها وأثار الشهوة، وبالجملة فإنه أوفق للأصحاء من الهواء المفرط الحر. ومضاره هي من جهة الأفعال المتعلقة بالعصب وبسده المسام وبعصره حشو وخلل العظام. والهواء الرطب صالح موافق للأمزجة أكثرها ويحسن اللون والجلد ويلينه ويبقي المسام منفتحة إلا أنه يهيىء للعفونة واليابس بالضد.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل العاشر : موجبات الرياح ] ●

قد ذكرنا أحوال الرياح في باب تغيرات الهواء ذكراً ما، إلا أنا نريد أن نورد فيها قولاً جامعاً على ترتيب آخر ونبدأ بالشمال.
في الرياح الشمالية : هذه الرياح تقوي وتشد وتمنع السيلانات الظاهرة وتسد المسام وتقوي الهضم وتعقل البطن وتدرّ البول وتصحح الهواء العفن الوبائي، وإذا تقدم الجنوب الشمال فتلاه الشمال حدث من الجنوب إسالة، ومن الشمال عصر إلى الباطن وربما أقى إلى انفتاح إلى خارج، ولذلك يكثر حينئذ سيلان المواد من الرأس وعلل الصدر والأمراض الشمالية وأوجاع العصب، ومنها المثانة والرحم وعسر البول والسعال وأوجاع الأضلاع والجنب والصدر والاقشعرار.
في الرياح الجنوبية : هذه الرياح مرخية للقوة مفتحة للمسام مثوّرة للاخلاط محرّكة لها إلى خارج مثقلة للحواس، وهي مما يفسد القروح وينكس الأمراض ويضعف ويحدث على القروح والنقرس حكاكاً ويهيج الصداع. ويجلب النوم ويورث الحميّات العفنة لكنها لا تخشن الحلق.
في الرياح المشرقية : هذه الرياح إن جاءت في اَخر الليل وأول النهار، تأتي من هواء قد تعدل بالشمس ولطف وقلّت رطوبته فهي أيبس وألطف، وإن جاءت في آخر النهار وأوّل الليل فالأمر بالخلاف. والمشرقية بالجملة خير من المغربية.
في الرياح المغربية : هذه الرياح إن جاءت في آخر الليل وأول النهار من هواء لم تعمل فيه الشمس فهي أكثف وأغلظ، وإن جاءت في آخر النهار وأول الليل فالأمر بالخلاف.

● [ يتم متابعة الجملة الأولى من التعليم الثانى ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 12:32